الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما يوم الخميس 4 يونيو الجاري في جامعة القاهرة مهد العلمانية والتنوير والليبرالية المصرية، يعتبر أحد المعالم المهمة لإستراتيجيته من أجل تخفيف حدة التوترات في الشرق الأوسط. فهو خطاب يتعلق بالمفاهيم على غرار الخطاب الذي ألقاه أوباما في فيلادلفيا سنة 2008حول العلاقات العرقية، أو خطاب براغ، بداية أبريل 2009،«حول عالم خال من الأسلحة النووية».

ليس من قبيل المصادفة أن يختار الرئيس أوباما مدينة القاهرة لإلقاء خطابه الموجه إلى العالم العربي والإسلامي ليمد يد المصالحة نحو مليار ونصف مليار مسلم، فهي لا تزال تمثل نبض «الشارع العربي»، والمدينة العريقة التي تعتبر منارة ثقافية للشرق الأوسط، حتى وإن كانت النزعة الأنتي أميركانية قوية، الحرية السياسية محدودة.

لقد اتسم خطاب أوباما بعبارات منمقة، وفصاحة لغوية وتعبيرية، واقتباسات من الكتب السماوية، ولاسيما من القرآن الكريم، في تناقض كلي مع خطاب الرئيس السابق جورج بوش الذي كان خاضعاً لمعايير المحافظين الجدد الأيديولوجية، والتبشيرية بتصدير الديمقراطية إلى المنطقة العربية بواسطة الغزو العسكري لتغييرها وفق المسار الأميركي. بل إن خطاب أوباما احتوى على ثلاثة محاور أساسية بدت واضحة فيه هي الواقعية البراغماتية، والبعد الديني، والنظرة التسامحية.

غلب على خطاب الرئيس أوباما الطابع الفكري ـ الثقافي أكثر منه الطابع السياسي المباشر، وهذا أمر مفهوم. فهو خطاب ثقافي للقيادة العليا للولايات المتحدة الأميركية، التي تعتزم القيام بمراجعة نقدية لسياستها حيال الإسلام، والعالم العربي والإسلامي، من خلال رفض المفهوم المغلوط السائد والمقبول في أميركا من أن الإسلام والغرب هما كيانان مختلفان مع تمتع كل منهما بقيم مختلفة عن الآخر بصورة عميقة.

فالرئيس أوباما لم يستخدم طوال خطابه مصطلح «الإرهاب»، بل استخدم بدلا منه مصطلحات أكاديمية مثل العنف والتطرف، في إشارة واضحة منه إلى أنه ليس من دعاة ما يسمى «الحرب على الإرهاب»، التي رسخت صورة سلبية في ذهنية المسلمين والعرب طيلة السنوات الثماني من رئاسة بوش على أن الولايات المتحدة الأميركية تمثل دولة غازية عسكريا وثقافيا ومعادية للمسلمين وتطلعاتهم.

بل إن خطاب الرئيس أوباما عكس نظرية «السياسة الناعمة»، وهي النظرية التي يستخدمها معظم الرؤساء الديمقراطيين، في تمايزهم عن الرؤساء الجمهوريين، لكنه والحق يقال حمل في سيرورته رؤية جديدة تعتبر العرب والمسلمين متساوين في القيم الإنسانية، وتتشابه مصالحهم مع مصالح الولايات المتحدة الأميركية.

بكل تأكيد لم يكن مطلوبا أو منتظرا أن يشكل خطاب أوباما خطة سياسية شاملة لحل أزمات الشرق الأوسط المعقدة، فهذا ما سيفقد هدف هذا الخطاب الثقافي ـ الفكري، المتمثل في تغيير نمط الحوار مع العالم الإسلامي. لكن يمكن للمتفحص في جوهر الخطاب أن يلمس الصلة الوثيقة بين الرؤية الثقافية للرئيس أوباما وبين الإستراتيجية السياسية التي ستتمخض عنها هذه الرؤية.

العالم العربي، أكثر من العالم الإسلامي هو الذي كان ينتظر خطاب الرئيس أوباما، ولاسيما فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني ؟ الإسرائيلي. في هذا الملف الشائك، بدأ الرئيس أوباما بالحديث عن إسرائيل التي «لا يمكن قطع أواصر العلاقة الأميركية» معها، ثم تطرق للمحرقة النازية التي حضرت وجدانا وسياسة، لكنه لم يتطرق لعمليات التطهير العرقي التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني طيلة واحد وستين عاما، ليس آخرها محرقة غزة. لكن الرئيس أوباما سعى إلى إقامة جسر مع العالم العربي والإسلامي من خلال الإشارة إلى المعاناة التي يعانيها الفلسطينيون تحت الاحتلال، وضرورة إقامة دولة فلسطينية لهم.

السؤال الذي يطرحه المحللون، هل يستطيع خطاب أوباما أن يغير سياسات الولايات المتحدة الأميركية تجاه إسرائيل، لجهة أن يفرض تسوية سياسية عليها وتقبل بحل الدولتين، وبالتالي يكون بذلك في وضعية كمن يسبح ضد التيار، لجهة الالتزام بأهداف الإستراتيجية الأمريكية وفق مصلحة الأمن القومي الأميركي، لا وفق الأمن الإسرائيلي؟

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org