التغيرات التي تجري في أميركا والعالم الغربي وما يتبعها من التحركات السياسية في اتجاه مقاربات جديدة للتعامل مع قضايا العالم العربي والإسلامي وفي قلبه قضية فلسطين، تفرض على العالم العربي والعالم الإسلامي استثماراً لهذه المتغيرات الدولية لتصحيح اختلال التوازن القائم بينه وبين ذاته من جهة وبينه وبين العالم الغربي من جهة أخرى لصالح استعادة حقوقه وحماية مبادئه وتأمين مصالحه، اتخاذ عدة خطوات.
أولاً، وقبل أن يدخل في حوار إسلامي غربي، أو تعاون أميركي عربي، أو تفاوض عبري عربي تجنباً للحروب وسعياً للسلام، فعليه حكومات وشعوب أن يبدأ باستعادة ذاته كمهد الأديان السماوية العظمى وموطن الحضارات الإنسانية الكبرى، واستعادة وحدته وتوحيد مواقفه السياسية لزيادة وزنه ومكانته الاستراتيجية في العالم.
وثانياً، عليه أن يحسن قراءة المتغيرات السلبية الذاتية التي ألمت به ويعمل على معالجتها، والمتغيرات السلبية التي ألمت بقوة أميركا والقوى الغربية ويعمل على الاستفادة منها في التحرر من الضغوط الخارجية، والقدرة على رفض شروط الخارج، ولا مانع من محاولة فرض شروطه العادلة إذا امتلك إرادته وتمسك بهدفه واستعاد قوته التي لن تنبع إلا من وحدته للقدرة على إدارة حوار ناجح مع الأميركيين، ومواجهة ناجحة مع الصهاينة.
وبمحاولة سريعة للقراءة فإنه قد فشلت سياسات الحروب الأميركية المباشرة على العراق وأفغانستان بالوكالة عن إسرائيل أو بالحروب الإسرائيلية المباشرة بالوكالة عن أميركا في عهد بوش على لبنان وغزة، التي انتهت بورطة أميركية لا مخرج منها، وبخيبات إسرائيلية عسكرية وسياسية متتالية برغم نجاحها في القتل والتدمير وسقوط رهانات القوة والاستعلاء والإملاء في فرض الاستسلام، أو في فرض الشروط للحصول على الأمن أو السلام.
وسياسات بوش العسكرية الغبية التي أدت أيضاً إلى نمو قوى إسلامية أشد عداء لإسرائيل ومناهضة لأميركا أشد قوة من العراق مثل إيران، وأكثر مدعاة للقلق لأميركا وإسرائيل من أفغانستان وباكستان، انتهت أيضاً إلى فشل سياسي واقتصادي أميركي أدى إلى الإفلاس المالي وتراجع دور القوة العسكرية وثبوت خطأ السياسات الأميركية البوشية، مما وضع أميركا في المأزق بما استلزم ضرورة التغيير.
إسرائيل بعد خيباتها العسكرية والسياسية بحروبها الفاشلة وتبدد هيبتها العسكرية في جنوب لبنان وتمرغها بوحول الإجرام على أرض غزة ركبت أقصى موجات التطرف بانتخاب حكومة يمينية عدوانية متطرفة لتقوية موقفها المحارب أو تعلية موقعها المفاوض، فقلبت الطاولة على ما يسمى بعملية السلام، لكنها أحرجت بذلك حلفاءها، وأضعفت نفسها بنفسها بما جعلها هي الأخرى بكل قوتها العسكرية في الموقف السياسي الأضعف وبمحاذير عزلتها وفقدان دعم الأميركيين والأوروبيين.
وهي لا تجد في أيديها من أوراق إلا بالمراهنة على ورقتين الأولى محاولة الاستفادة بالضعف الأميركي لتحريك أميركا وتوريطها في المواجهة مع إيران بينما أميركا تمانع، والثانية محاولة شق الصف الفلسطيني والعربي والإسلامي باسم الاعتدال والتطرف، ومحاولة تحويل الصراع من عربي إسلامي ـ صهيوني، إلى عربي عربي وإلى إسلامي إسلامي باستخدام الفتن المذهبية والطائفية لإضعاف العالم العربي والإسلامي.
وما لم نقرأ ونعي ونتعلم من أخطائنا بالسقوط في شراك الخداع، وبالانسياق للتشرذم والانقسام، والاقتراب من صفوف الأعداء، والتباعد عن صفوف الأشقاء، فلن ننجح إلا في فقدان الوزن والقوة والقدرة على الدفاع أو المقاومة في المواجهة مع إسرائيل، أو على الحوار والمشاركة مع أميركا الجديدة، لنبقى في مواقعنا القديمة بانقساماتنا وخلافاتنا وسياساتنا المتباينة القديمة والعقيمة!