لم ينشغل العرب بشيء خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم قدر انشغالهم بمحاولات تحقيق حلم الوحدة على مستوى الدول والأقاليم والوطن العربي الكبير، ولم يفشل العرب في شيء منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم قدر فشلهم في تحقيق هذا الحلم، فيما عدا بعض الاستثناءات القليلة التي سنأتي على ذكرها.
ولو تتبعنا الوثائق المتعلقة بمحاولات الوحدة العربية لخرجنا بحصيلة وافرة من هذه المشاريع التي كانت أطرافها ثنائية أحيانا، وثلاثية أحيانا أخرى، ورباعية أو أكثر في بعض الأحايين، لعل أشهرها الوحدة المصرية السورية عام 1958م، واتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وليبيا والسودان عام 1969م، ومجلس التعاون العربي بين مصر والأردن والعراق واليمن الشمالي (سابقا) عام 1989م، واتحاد المغرب العربي بين المغرب وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا عام 1989م.
كل هذه النماذج من محاولات الوحدة العربية كان مآلها إلى الفشل وإعلان الانفصال رسميا كما حدث للوحدة المصرية السورية واتحاد الجمهوريات العربية، أو الجمود والتلاشي كما حدث لمجلس التعاون العربي الذي لم يدم إلا لبضعة أشهر بعد أن كتب شهادة وفاته الغزو العراقي لدولة الكويت واحتلالها عام 1990م، أما اتحاد المغرب العربي فهو يحتضر بعد عشرين عاما من تأسيسه نتيجة الأزمات التي تعانيها العلاقة بين دوله، وعلى رأسها تباين مواقف هذه الدول من قضية الصحراء، وقضايا أخرى لا حصر لها.
وحدها ثلاثة كيانات وحدوية تقف حتى الآن صامدة أمام عوامل الانهيار والفشل، على رأسها اتحاد دولة الإمارات الذي احتفل العام الماضي بمرور 37 عاما على تأسيسه، ومجلس التعاون الخليجي الذي أكمل الشهر الماضي 28 عاما، والوحدة اليمنية التي أُعلِنت في الثاني والعشرين من شهر مايو عام 1990 بعد مخاض عسير تعرضت بعده لاختبارات كثيرة كادت تطيح بها.
ربما ليس من المناسب المقارنة بين اتحاد الإمارات والوحدة اليمنية من حيث النشأة لاختلاف الظروف التي أدت إلى قيام كل منهما، فقد بدأ التفكير في الاتحاد بين الإمارات وهي لم تزل بعد تحت الاحتلال البريطاني ليتوج بإعلان قيام الدولة مع رحيل الاحتلال، في حين أن الوحدة اليمنية قامت بين شطري اليمن (الشمالي والجنوبي) بعد استقلالهما في ظل ما يمكن أن نسميه اختلافا ايدولوجياً بين (الحزب الاشتراكي اليمني) الحاكم في الجنوب و(المؤتمر الشعبي العام) الحاكم في الشمال، دون تجاهل للروابط الكثيرة المشتركة بين أهل الشمال والجنوب من حيث الأصول العرقية والثقافة والحضارة والعناصر الأخرى المكونة لشخصيات الأمم والشعوب.
ليس ثمة من يستطيع أن ينكر أن الاتفاق على قيام الوحدة اليمنية الذي وُقِّع بتاريخ 30 نوفمبر عام 1989 بين علي سالم البيض رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية (حينها) وعلي عبدالله صالح رئيس الجمهورية العربية اليمنية (حينها) شكل نقلة في تاريخ المنطقة، وأن اختصار مدة قيام الوحدة الاندماجية ـ التي حُدِّد لها عام واحد ـ إلى النصف قد بث التفاؤل في نفوس اليمنيين والعرب الذين كانوا يتوقون إلى أي شكل من أشكال الاتحاد يجدد في نفوسهم حلم الوحدة الكبرى التي طال انتظارها.
ولكن يبدو أن حجم الاختلاف في الأفكار والرؤى بين قيادات الشطرين كان أكبر من أن تحتويه الأماني والرغبات العاطفية، رغم الظروف المحلية والتغيرات الدولية التي هيأت لقيام الوحدة، كانهيار الاتحاد السوفييتي وانفراط عقد دول المنظومة الاشتراكية التي كانت حليفة لليمن الجنوبي، لذلك سرعان ما ظهر الخلاف الحاد بين الشمال (الذي تولى رئاسة الدولة) والجنوب (الذي أصبح رئيسه السابق نائبا لرئيس مجلس الرئاسة) نتيجة اختلاف الرؤية حول أسلوب إدارة الدولة الجديدة وتقاسم المناصب فيها، والتعددية الحزبية التي نص عليها الدستور وتحمس لها الجنوبيون بينما تقبلها الشماليون بفتور وتحفظ.
هكذا بدأت سحب الشك تلقي بظلالها على العلاقة بين طرفي الوحدة منذ الشهور الأولى لقيامها، وقد غذتها الاغتيالات السياسية التي طالت بعض قيادات الحزب الاشتراكي في الجنوب، إضافة لدخول حزب ثالث ذي توجه ديني على الخط هو (التجمع اليمني للإصلاح) الذي كان يرأسه الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، الأمر الذي أدى إلى تراجع حصة الحزب الاشتراكي من كعكة الحكم بعد أن تحالف الإصلاح مع المؤتمر الشعبي العام وسيطرا على 80 من عضوية مجلس النواب.
تطورت الأحداث بعد ذلك وتفاقمت إلى الدرجة التي لم تنجح معها (وثيقة العهد والوفاق) التي وقعها الطرفان برعاية أردنية في عمّان بتاريخ 20 فبراير 1994 في كبح جماح الخلاف الذي تحول إلى مواجهات دامية أدت إلى إعلان الجنوب الانفصال والتراجع عن الوحدة بقرار من رئيسه السابق، ولكن بعد شهرين من الحرب الطاحنة بين القوتين غير المتكافئتين دخل الجيش مدينة عدن بتاريخ 7/7/1994 وحسم المعركة لصالح الدولة فلجأت قيادات الجنوب إلى الدول المجاورة لينتهي مشروع الانفصال وتبقى اليمن موحدة، بغض النظر عن حساب الأرباح والخسائر لكل طرف منهما.
واليوم وبعد تسعة عشر عاما من إعلان الوحدة، وخمسة عشر عاما من محاولة الانفصال الأولى، تلوح في الأفق بوادر انفصال جديد، وتنطلق هنا وهناك دعوات تغذي هذه الفكرة وتذكي نار الفتنة بين الأخوة في شمال اليمن وجنوبه، وتعود إلى الواجهة صور وجوه أبطال محاولة الانفصال الأولى بعد غياب طويل.
لا شك أن ثمة خللا ما أدى إلى ارتفاع أصوات أبناء الجنوب من جديد في الداخل، الأمر الذي يبدو أن بعض من في الخارج يستغله استغلالا سيئا، لذلك على الأخوة في صنعاء أن يبادروا إلى إصلاح هذا الخلل، لأن اليمن كله سيخسر كثيرا لو استمرت هذه الأصوات في بث نداء الانفصال، وعبثت أيادٍ خارجية لا تريد مصلحة اليمن وأبنائه في الخفاء لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء وتمزيق اليمن من جديد إلى أكثر من يمنين هذه المرة، فمتى يتداعى حكماء اليمن لوأد هذه الفتنة في مهدها ونسمع صوتهم، كي يبقى اليمن سعيدا، بعيدا عن محاولات التمزيق و«الصوملة»؟
كاتب إماراتي