يبدو الصراع بين «فتح» و«حماس»، وكأنه صار أسير دوّامة عصية على الكسر. جولاته تدور بصورة وبوتيرة؛ تحمل كل بصمات الإصرار على الاستمرار بهذه اللعبة الجهنمية القاتلة. مرور الزمن، لم يفلح في رأب الصدع الفلسطيني. بعد سنتين على وقوعه، ما زال الشرخ بينهما يتوسع ويتفاقم.
لا محاولات التقريب وصلت إلى شيء. ولا جلسات الحوار والوساطات نجحت في ردم الهوّة. أو على الأقل تضييقها. كان من المأمول أن يلعب العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة، دور «ربّ ضارة نافعة». لكنه لم يقو. على العكس، أخذ الصراع شحنة عالية من التصعيد وعاد، في الآونة الأخيرة، إلى دائرة الاقتتال الدموي المفتوح.
وهذه المرة في الضفة، والأنكى أن دورة التناحر الجديدة تنفجر وبهذه القوة ـ 9 قتلى في أيام قليلة ؟ في اللحظة التي تكشف فيها إسرائيل عن أشرس مخالبها؛ تجاه القضية وشعبها وأرضها وحقوقها. كما في اللحظة التي يظهر فيها قدر من التوتر، ولو البرّاني، بين إدارة أوباما وحكومة نتانياهو. على الأقل اللغة بينهما غير مألوفة. الثانية تزعم أن إدارة بوش سبق وأعطت إسرائيل موافقتها المسبقة، على إجراء توسيع «طبيعي» للمستوطنات.
الثانية، تنفي علناً وجود مثل هذا الوعد في السجلات الرسمية الأميركية. يعني تكذبها. لا ينبئ ذلك عن حصول مواجهة قريبة، بين واشنطن وتل أبيب. ولا هو يدعو للمراهنة عليه. لكنه تراشق يمكن توظيفه. في أقله، ينبغي تسليط الأضواء عليه. التصفيات التي شهدتها مدينة قلقيلية، خطفت الشق الأكبر من الاهتمام. كشفت عن أعطاب الوضع الفلسطيني ونقاط ضعفه، التي لا بدّ وأن تتكئ عليها إسرائيل لمواصلة غيّها وقضمها المتسارع للأرض.
والأسوأ أن جولات الفعل ورد الفعل وتصفية الحسابات الميدانية الجارية مرشحة، حسب التقارير والتقديرات؛ للتمدّد في سائر مناطق الضفة. بل ربما للانتقال إلى غزة. والخشية، أنها قد تأخذ وجهة الاغتيالات والتصفيات السياسية. نزيف عبثي، يزيد من انكشاف الساحة الفلسطينية ويضعف وزنها في المعادلة. وقوع تطاحن بين القوى والفصائل الفلسطينية، كان دائماً أحد الأهداف التي طالما سعت إسرائيل إلى تحقيقه عن طريق اشتراطها لمطالب، تكفل إشعال نار حرب أهلية فلسطينية.
فهل يعقل أن يحتدم الخلاف الفلسطيني ويصل إلى النقطة التي تلتقي، موضوعياً، مع هذا الطموح الإسرائيلي الشرير؟ هل يعقل أن تبلغ الأمور بين أهل القضية، هذا الحدّ الذي يثلج قلب العدو، في الوقت الذي تزداد فيه الضغوط الدولية، حتى ولو كانت ناعمة، عليه؟
التقاتل الفلسطيني يكاد يدخل نفق الانتحار الطوعي. إذا فاتت لحظة الاستدراك، فإن التاريخ لن يرحم أحداً.