في الطريق إلى جامعة القاهرة لسماع خطاب الرئيس الأميركي أوباما الذي اختار أن يوجهه إلى العرب والمسلمين من منبر هذه الجامعة العريقة التي أكملت مئة عام في أداء رسالتها العظيمة في نشر العلم والقيام بمسؤوليات التنوير وخوض معارك حرية الرأي.. كانت الأسئلة تتزاحم في الذهن، وأولها عن اختيار الجامعة لهذا الحدث الهام، وهو اختيار كانت وراءه عوامل كثيرة، أهمها أنه رغم أن الخطاب موجه للأمة الإسلامية فهو ليس خطابا دينيا، بل خطاب سياسي وثقافي.

ورغم الحرص على أن تكون الدعوات موجهة من شيخ الأزهر مع رئيس جامعة القاهرة إلا أن الحرص كان أيضا واضحا على إسباغ الصورة المدنية على اللقاء الذي ضم مختلف الأطياف السياسية والفكرية والدينية في مصر، بالإضافة إلى شباب يمثل الطلاب المبعوثين من الدول الإسلامية ضمن أعداد الشباب التي حضرت اللقاء. لكن المهم بالنسبة لنا ـ كعرب ومسلمين ـ أن يكون اللقاء بين الأزهر الشريف بكل تاريخه الرائع في الدفاع عن صحيح الإسلام ونشر قيم العلم والتسامح والإخاء، وبين جامعة القاهرة بمسيرتها في تحديث المجتمع هو رهان على المستقبل الذي تتكامل فيه الأصالة مع التحديث ولا تتصادم.

وبعيدا عن سؤال المكان، ظلت الأسئلة الأخرى والأهم حول ما سيعلنه أوباما، خاصة أن البعض ذهب في تفاؤله إلى حد انتظار المعجزات على يديه، والبعض ذهب إلى تشاؤمه إلى حد الرفض المسبق لكل ما سيقوله الرئيس الأميركي! بالنسبة لي لم تكن المفاجآت واردة إلا إذا طرح جديداً في القضية الفلسطينية يزيد على ما طرحه بالفعل والذي أثار الصدام بينه وبين الحكومة الإسرائيلية من جانب واللوبي الصهيوني اليميني في الولايات المتحدة من جانب آخر وذلك بإصراره على وقف الاستيطان وقفا تاما، بالإضافة إلى تكرار موقف الإدارة السابقة عن حل الدولتين.

كانت المخاوف تأتي من نقطتين: الأولى أن يستجيب أوباما للضغوط الأميركية للاعتراف ب«يهودية الدولة» الإسرائيلية. والثانية أن تكون الضغوط الأميركية المستمرة من إدارة أوباما على الدول العربية قد أثمرت استجابة بشكل أو آخر لمطلب البدء في إجراءات (ولو رمزية) للتطبيع المسبق مع إسرائيل تحت زعم تشجيعها على استكمال الطريق وكمكافأة لها إذا قبلت (ولو من باب الخداع والمراوغة) مبدأ وقف الاستيطان!

وبالقطع، فليس من باب الصدفة أن يخرج المتحدث باسم رئاسة الجمهورية في مصر قبل وصول أوباما بثلاثة أيام ليعلن الرفض القاطع لأي حديث عن «يهودية الدولة» الإسرائيلية، وليؤكد أن هذا الموقف تم إبلاغه لنتانياهو نفسه عند زيارته الأخيرة لمصر. وأن الرئيس المصري لم يكتف بالرفض، ولا بالتساؤل عن: ماذا عن عرب 48؟ وماذا عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين؟، بل أكد، فيما يبدو أنه رسالة أيضا للإدارة الأميركية، أن الرئيس ترومان نفسه رفض عند الاعتراف بدولة إسرائيل عام 48 أن يكون الاعتراف مقرونا بأنها دولة يهودية.

ويبدو أن الإدارة الأميركية تلقت من العواصم العربية ما يؤكد على رفض البدء بأي إجراءات للتطبيع مع إسرائيل قبل التوصل للحل الذي يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ورفض تعديل المبادرة العربية للسير في هذا الاتجاه.

كما أن الرفض الإسرائيلي ـ حتى الآن ـ لوقف الاستيطان قد أقنعه بعدم تفجير الموقف بتضمين خطابه أي اقتراحات بهذا الشأن، وإن كان قد ترك الباب مفتوحا أمام كل الاحتمالات وذلك بالحديث عن المبادرة العربية كانت بداية مهمة ولكن مسؤوليات الدول العربية لا تنتهي ـ كما قال ـ بهذه المبادرة!!

لم يحمل خطاب أوباما مفاجآت مدوية في هذه القضية أو غيرها، ولكنه ـ بالقطع ـ قدم نهجا مختلفا للتعامل وقدم وجها جديدا لأميركا التي يبشر بها ويرجو ـ ويرجو العالم معه ـ أن تتحقق. نحن هنا لسنا أمام أميركا المهووسة بالقوة التي يحول رئيسها حتى إيمانه الديني إلى شعوذة سياسية يعلن من خلالها الحرب الصليبية على المسلمين ويغزو العراق ويدمره لأن الله أمره بذلك!

نحن هنا أمام نهج جديد لإدارة أميركية تملك شجاعة الاعتراف بالخطأ وتطلب مشاركة الآخرين لحل المشاكل، تؤمن بأن القوة لها حدود، وأن البشر شركاء في الحضارة، وأن المسلمين كانوا من صانعيها، وأن أميركا ليست في صدام مع الإسلام ولن تكون، بل الجميع ينبغي أن يكونوا شركاء في الحرب ضد العنف وفي صنع السلام وبناء المستقبل.

بالطبع هناك عشرات الملاحظات على الخطاب.. فالرجل نسي الجولان المحتل، وأطال في تذكيرنا بالمحرقة النازية وكأننا المسؤولون عنها، بينما لم يذكر المحارق الإسرائيلية للشعب الفلسطيني، وإن تحدث عن معاناته الطويلة، وتحدث عن الموارنة والأقباط وهم شركاء حقيقيون في أوطانهم ولم يتحدث عما يتعرض له عرب 48. وتحدث عن قدرتنا على الجمع بين التحديث والأصالة وقدم دبي نموذجا ولكنه لم يذكر أن ما يعطلنا هو استنزاف إسرائيل وموقف أميركي سابق في دعمها بلا حدود.

وتبقى الأسئلة الأهم: كيف سيحول أوباما نواياه إلى برامج للعمل؟ وكيف سيواجه الحرب التي بدأها اللوبي الصهيوني ضده؟ وهل سيبقى العرب على كرسي الانتظار أم يتحركون بما يملكون من أوراق.. وهي كثيرة ومهمة؟ وكيف نملك قيادة موحدة تدير الصراع في هذه المرحلة المصيرية؟ ومتى سنشهد لقاء حاسما ينهي الخلاف بين دمشق والقاهرة؟ وكيف نوقف هذا العبث بمستقبل القضية الفلسطينية بقتال الإخوة الأعداء في فتح وحماس؟ الأسئلة كثيرة، وأوباما لم ينكر أنه يبحث ـ قبل كل شيء ـ عن مصلحة بلاده، فهل نملك نحن خريطة الطريق الخاصة بنا لتحقيق مصالحنا؟!

كاتب صحافي مصري

elsadattt@hotmail.com