في حوار إلكتروني أجراه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والمواطنين الإماراتيين ونشرته الصحف الإماراتية، سأله مواطن، عن سر تفوق عدد المواطنات الموظفات في الحكومة الاتحادية على الموظفين، وما إذا كانت الأمور تتجه لإدارة الحكومة من النساء بعد عشرين عاما؟

أجاب سموه: هذا سؤال مهم وذكي وافترض أنك سعيد بهذه الظاهرة الحضارية، ثم قال: «إن المرأة على قدر المسؤولية، ولا تقل عن الرجل بأي حال، وهذه الحقيقة ليست بجديدة، ففي أيام الأجداد كانت رحلة الغوص أو التجارة تستغرق شهورا عديدة وكانت الأم أو الزوجة والأخت تتولى مسؤولية الأسرة من كل النواحي. أما لماذا نسبة الموظفات أكثر من الموظفين الذكور ونسبه الخريجات أكثر من الخريجين، فالسبب يعود لتعدد الخيارات أمام الشباب أكثر من الشابات وأنت تدرك أن المرأة هي صاحبة القرار في خياراتها التي تحترم رأي أسرتها وتنسجم مع تقاليد وعادات المجتمع».

ثم أضاف سموه قائلا: «افخر يا أخي بالمكانة التي وصلت إليها المرأة في الإمارات».

والسؤال هو: ماذا لو تم الحجر على كل هذه الطاقات النسائية التي حققت تفوقها اليوم، بحجة تقاليد بالية وبقي الذكور وحدهم؟، كم من الخسائر يمكن أن يخسرها مجتمع محدود الموارد البشرية كمجتمع الإمارات.

المكانة التي وصلت لها المرأة في الإمارات اليوم والتي تفوقت بحضورها في الإدارة الحكومية وفي التعليم وفي المجتمع العام، مردها هذه النظرة التي يتمتع بها الحاكم وصاحب القرار في الدولة، ويحث مجتمعه عليها، نظرة ملؤها الاحترام والتقدير، والإيمان بحقها ككائن مستقل وحر، قادر على المشاركة في التنمية والإفادة منها، ولهذا فإن القرار السياسي في الخليج كدول نامية كان وراء تمكين النساء من حقوقهن، ومشاركتهن الواسعة في الحياة العامة، لعل آخرها وصول النائبات الكويتيات لمجلس الأمة، وتعيين ست نائبات بقرار سياسي في البحرين، لحين تأهيل المجتمع لحركة انتخاب المرأة.

كما حظيت المرأة الخليجية بحمل حقائب وزارية في الكويت والبحرين والإمارات وعمان وقطر، وترأسن قيادة أفضل الجامعات العلمية بمؤهلاتهن وكفاءاتهن العلمية. فما الذي ينقص المرأة في السعودية لتحظى بحق المشاركة، والتمثيل في حركتها التنموية الصاعدة ؟!.

إن تأخير المرأة في بلادنا بحجة عدم قبول المجتمع لدورها المعاصر، هو إمعان في تكريس النظرة الدونية الحالية للمرأة، والتي نشأت بسبب عزلها عن الحياة العامة، فمن ذا الذي يحترم كائنا لا يشارك في تنمية مجتمعه ولا يبرهن على صلاح عقله ورشده، ولا يعبر عن طموحه ولا يقوم بدوره المجتمعي، وصورته الانطباعية السائدة، هي صورة الضعيف، المحتاج للحماية، المدفوع للعزل والظلمة؟!.

إن تخويل الجميع بأن يمارس التخطيط للمرأة، والتفكير عنها، عداها، هو أول أشكال تكريس دونيتها، مما جعل منها كائنا لا يتقدم في تجربته مهما تقدم به العمر، فكائن لا يخرج من البيت إلا إلى السوق أو لدائرة عمل محدودة الدور، لا تتخذ فيها قرار ولا تتحمل مسؤولية، هي التي جعلت من عقول النساء في بلادي عقول لا ترقى عن كونها عقول طفلات فارقن بالأمس ألعابهن وشغلن اليوم بأدوات الزينة، وحصرن في دور ضيق، وهذا والله تفريغ للعقل من دوره وحجر عليه وتغييبه بل ربما تعذيبه.

كاتبة سعودية

bdryah@gmail.com