في الأسابيع القليلة الماضية كانت الإمارات محط أنظار الكثير من وسائل الإعلام والمهتمين في العالم وذلك لحدثين مهمين حدثا في دولة الإمارات هما: تدشين قاعدة «معسكر السلام» البحرية الفرنسية في دولة الإمارات، وانسحاب الإمارات من عضوية الاتحاد النقدي الخليجي.
كان هذان الحدثان كفيلين بأن يجعلا الإمارات على قائمة الأخبار لدى العديد من المحطات والصحف والمجلات الإعلامية المتخصصة. وحول هذا الموضوع انقسمت تلك الوسائل الإعلامية بين مؤيدة للتحركات الإماراتية وبين أخرى منتقدة وبين من تناولت المواضيع بطريقة موضوعية وحيادية. ونتفهم جميعاً مواقف معظم تلك الوسائل الإعلامية التي كانت في الأساس تعكس مواقف سياسية لدولها أكثر من أن تعكس تحليلات علمية موضوعية.
«معسكر السلام» اُخذ في غير سياقه واعتُبر من قبل البعض بأنه مهدد لأمن واستقرار المنطقة، كما اعتُبر من البعض الآخر بأنه توسع للدور الفرنسي المنافس للدور الأميركي في المنطقة.
إلا أن أحداً لم يركز كثيراً على حقيقة أن معسكر السلام ليس إلا تتويجاً لمسيرة العلاقات الإستراتيجية المتميزة القائمة بين الإمارات وفرنسا منذ قيام الدولة الاتحادية في الإمارات، حيث كانت فرنسا الشريك العسكري الأول للإمارات منذ فترة السبعينات التي غدت الممول الأساسي للقوة العسكرية الإماراتية ومصدرا أساسيا من مصادر التدريب ورفع الكفاءة العسكرية لدى أفراد القوات المسلحة الإماراتية.
وهذه العلاقة المميزة تم تتويجها فيما بعد بمعاهدة أمنية بين الطرفين تتعهد من خلالها فرنسا بالدفاع عن الإمارات في حالة تعرضها لأي عدوان خارجي. فمعسكر السلام ليس تهديداً لأمن أحد وإنما هو استكمال طبيعي للترتيبات والتعهدات الإستراتيجية القائمة بين الإمارات وفرنسا.
وإذا ما أردنا فهم وجود معسكر السلام في الإمارات فإن أبسط فهم يمكن أن يأتي من خلال فهمنا لإستراتيجية الدفاع الإماراتية القائمة على مفهوم تعزيز القدرات الدفاعية للإمارات بهدف الدفاع عن أمن الدولة من التهديدات والأخطار الخارجية.
فما قامت به الإمارات هو جزء من استراتيجياتها الأمنية القائمة منذ نشأة الدولة الاتحادية والقاضية بتطوير قدرات الدولة الاتحادية من خلال الاعتماد على دول حليفة في تقديم الآلة العسكرية الدفاعية.
لا يمكن لأحد أن يزايد على أمن الدول وكل دولة تنظر إلى أمنها بمفهومها الخاص بها ولديها طريقتها في التعامل مع ذلك الوضع. فهناك دول ترفع من قدراتها العسكرية من خلال الإنتاج العسكري المحلي وهناك من يعتمد على شراء العدة العسكرية وهناك من يتحالف مع حليف قوي للدفاع عنه.
أما بخصوص درجة التهديد فإنه يعتمد أساساً على نوعية الدولة الساعية إلى رفع قدراتها العسكرية ونوعية الدولة التي تتحالف معها؛ وفي هذا الإطار الجميع يعلم حقيقة أنه لا الإمارات ولا فرنسا لديهما أطماع توسعية تجعل الآخرين يتخوفون من قيام تحالف بينهما، ولا الإمارات ولا فرنسا احتلت أراضي دول أخرى في المنطقة، ولم تقم الإمارات ولا فرنسا بتهديد وجود وأمن دول المنطقة على الإطلاق.
التعاون الإماراتي ـ الفرنسي قديم ولم يشكل في يوم من الأيام تهديداً لأحد. إن كل ما يحدث يأتي في سياق التعاون الدفاعي بين الإمارات الدولة التي تتواجد في منطقة ملتهبة من التهديدات وبالتالي تسعى لحماية نفسها وبين فرنسا الدولة التي تود المحافظة على علاقاتها المميزة القائمة مع الإمارات من أجل حماية مصالحها في المنطقة. هذه هي المعادلة بأبسط حالتها في العلاقة القائمة بين الإمارات وفرنسا.
أما عن الانسحاب الإماراتي من الاتحاد النقدي الخليجي فقد كان هو أيضاً عنواناً بارزاً في وسائل الإعلام المختلفة التي تناولته كل حسب توجهاته السياسية لاسيما بين أولئك الذين اعتبروا الانسحاب نكسة للعمل الوحدوي الخليجي وبين من اعتبره تحديا يمكن لدول الخليج تجاوزه وبين من دافع عن التحرك الإماراتي وبين من انتقده.
أياً ما كان الحديث فإن السياسة تعلمنا بأن الطريق نحو التكتل والاندماج لا يمكن أن يكون طريقاً سهلاً لأية محاولة تكتل ما كانت.
وبالنسبة لموضوع المصرف المركزي الخليجي الذي كان القشة التي قسمت ظهر البعير وجعلت الإمارات تعلن انسحابها من الاتحاد النقدي فقد كان موضوعاً مثيراً للجدل، وأن اختيار الرياض لم يكن اختياراً موفقاً ليس لأن الرياض لا تتمتع بسمات اقتصادية تؤهلها لذلك ولكن لحقيقة أن اختيار الرياض أخل بمبدأ التوازن الذي يجب أن يقوم عليه أي تكتل ناجح.
فلا يمكن أن يكون تكتلاً ما ناجحاً إذا ما استأثرت مدينة واحدة بالتمثيل السياسي والاقتصادي لذلك التكتل.
التوازن يتحقق عندما يتم توزيع الأدوار في التكتل بين مدينة ذات ثقل سياسي ومدينة أخرى تحمل الثقل الاقتصادي.
الرياض تحمل الثقل السياسي لمنظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية لذلك فإن الأمانة العامة للمجلس موجودة هناك، فالرياض هي العاصمة السياسية للمنظومة الخليجية إذا جاز لنا التعبير تماما كما هي بروكسل العاصمة السياسية لمنظومة الاتحاد الأوروبي؛ لذلك كان من المفترض أن يتم اختيار مدينة أخرى لتمثل العاصمة الاقتصادية للمنظومة الخليجية تماما كما هي فرانكفورت بالنسبة للاتحاد الأوروبي؛ لو لم تكن هناك مدينة بثقل الرياض الاقتصادي والمالي لكان الأمر هيناً ولتم تجاوز الموضوع لكن الدول الخليجية ولاسيما دولة الإمارات بالذات لديها مدن لا تقل بل وتتفوق على الرياض فيما تتمتع به من مزايا اقتصادية ومالية ولكن لم يتم اختيارها، وهنا سر الأزمة.
لا يوجد أي تكتل لتجمع كونفيدرالي أو لدولة موحدة أو حتى فيدرالية يتم فيه جمع الثقل السياسي والاقتصادي في مدينة واحدة. التوازن ضروري لأنه يخلق جوا من الارتياح لدى جميع الأطراف المنطوية تحت لواء التكتل بأن لها دور وأن دورها أساسي وغير مُهمش، مما يعني التشجيع على السير نحو مزيد من التفاعل والتكامل والعمل المشترك.
أما غياب التوازن يولد شكوكا ولا يساعد على دفع عجلة العمل الجماعي للأمام بل يعطي انطباعا بأن هناك هيمنة من طرف معين مما يعرقل السير الاندماجي للأمام. فالتوازن في الأدوار هو ما تحتاجه منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية للسير بالمجلس بكل ثقة نحو مزيد من الوحدة. ولعل دولة الإمارات هي أكثر الدول معرفة بهذه الحقيقة حيث ما كان لدولة الاتحاد أن تقوم ومن ثم أن تنجح لولا التزامها بمبدأ التوازن بين إماراتها الأعضاء.
لم تكن الإمارات في غضون الأسابيع القليلة الماضية في قلب الحدث وحسب بل كانت أيضاً صانعة للخبر وهذا في حد ذاته تطور إيجابي يكتب للإمارات التي بدأت دبلوماسيتها في النشاط من أجل الدفاع عن مصالح الدولة بالطرق السلمية غير العدوانية.
جامعة الإمارات