بعد حملة انتخابية صاخبة، يتوجّه اللبنانيون اليوم إلى صناديق الاقتراع. الاستحقاق كبير، بحكم خلفياته وظروفه. المنافسة غير مسبوقة بحدّتها. وضعت البلد في حالة من التوتر وحبس الأنفاس. لكن مع كل ذلك، الوضع الأمني على ما يرام. السخونة بقيت محصورة في إطار الاستقطاب السياسي. وكأن هناك إجماعاً على الاحتكام للصندوق ونتائجه. وهذا أمر مطمئن وواعد. يبقى الاختبار في مدى انجاز العملية، حتى إقفال الصناديق، بالسلاسة المأمولة. كما يبقى في قدرة البلد على الانتقال، في اليوم التالي بعد الفرز، إلى ضفة تعزيز الوحدة الوطنية واستكمال معالجة بقايا أزمته.
أهمية هذه الانتخابات أنها تأتي في أعقاب أزمة، كادت أن تفتح لبنان على المجهول. هي المحطة الثالثة والأخيرة لاتفاق الدوحة، الذي سحب البلد من شدق فتنة؛ ورسم طريق العودة إلى الدستور. معها انتقل الوضع من الانسداد وتزايد التباعد وتوسع الشرخ بين اللبنانيين، إلى تنشيط وتعزيز المؤسسات وإحياء طاولة الحوار الوطني. بذلك خرجت القضايا الخلافية من الشارع، وهبط منسوب الاحتقان، فضلاً عما رافق ذلك من إعادة وصل ما انقطع ومن ترميم لجسور العلاقات، بين الأطراف.
اليوم تمر هذه المسيرة بمفصل دقيق. عبوره بنجاح، يعطي الوضع حقنة كبيرة من الزخم، لعملية الترميم. خاصة إذا لم تتعثّر عملية ولادة حكومة جديدة، تعقب الانتخابات. من شأن ذلك تحصين الساحة اللبنانية وتعزيز مناعتها الداخلية والحدودية الجنوبية. الأزمة طالت وأنهكت البلد. كلفتها الأهلية والسياسية والاقتصادية كانت عالية.
بل كادت تهدّ مقوماته. والنزف لم يوفر أحداً. الكل أصابته شظاياها وجرحته. وبالنهاية، وجد الجميع أنه لا بديل عن الحوار والنقاش والتفاهم. ولو أن كثيراً من الحلول والمعالجات ما زالت معلقة. مقاربة لابدّ وأن اللبنانيين قد أدركوا أن لا بديل لهم عنها. يزيد من أهميتها والإصرار عليها، أن إسرائيل رفعت مؤخراً، من درجة استهدافها للبنان. شبكات تجسسها على لبنان، التي كشفت الأجهزة الأمنية اللبنانية حلقاتها خلال الأسابيع الأخيرة؛ كانت الإنذار الذي لا يخطئ في هذا الخصوص.
العدو الإسرائيلي يحول اللعب على الفجوات الداخلية، لتحقيق اختراقات، تخدم خططه وتزيد من التنافر بين اللبنانيين. الوحدة الوطنية وحدها تكفل إحباط هذا العدوان الخبيث. ولم يكن من غير مغزى، في هذا المجال، أن فضح أمر هذه الشبكات حصل في لحظة، استعادت فيها الأجهزة الأمنية الكثير من عافيتها؛ نتيجة لعودة الحياة لمؤسسات الدولة. ومن هنا أهمية انجاز هذا الاستحقاق بسلام والانتقال منه إلى المرحلة التالية، للخروج النهائي من الأزمة.
