شغلت مسألة المصالحة في العراق مساحة لا بأس بها من الاهتمام الداخلي العراقي على جميع مستوياته الحكومية الرسمية وغير الرسمية في صفوف الأحزاب والقوى العربية والكردية وحتى داخل أحزاب الأقليات كالتركمان.
كما شغلت في الوقت نفسه مسألة الموقف من الحوار مع حزب البعث جدلاً متزايداً، وتباينات معينة مع إصرار تيارات سياسية على التمييز بين الحزب نفسه وبين من حملوا هويته، وبين من يقول بعودة إحياء وتنشيط فكرة «اجتثاث البعث» التي جاء بها أحمد الجلبي وكلف بالإشراف على عمل اللجنة المذكورة قبل أن يتراجع دوره عن مسرح الأحداث في العراق.
لكن تتالي الأحداث في العراق، وبروز دور المقاومة وتبوء البعث مكانة أساسية داخل تشكيلاتها، دفع ببعض القيادات الرسمية العراقية للحديث عن البعث بطريقة ثانية، وفي القول «هناك بعثيون وهناك حزب البعث»، وان هناك أيضاً نوعين من البعثيين «الأول من أسهموا في إنتاج القرار السياسي» والتي لم يكن صدام حسين مسؤولاً عنه وحده، أما النوع الثاني فهم «الذين دخلوا الحزب مضطرين لأسباب مختلفة» وهؤلاء هم المستهدفين في الحوار.
وفكرة الحوار مع حزب البعث والبعثيين بشكل عام، لم تكن لتأتي الآن فجأة كصاعقة في سماء صافية، فقد سبق ومع انتهاء العام الأول من الاحتلال أن دعت شخصيات عراقية عدة ضرورة الحوار مع البعث باعتباره جزءاً من نسيج المجتمع السياسي العراقي، وتحديداً مع وجود الآلاف من ضباط الجيش العراقي الذين كان العدد الكبير منهم ينتمي للبعث، ومعهم العدد الأكبر من تكنوقراط الدولة والأجهزة الحكومية وسلك التعليم.
وزادت المتغيرات التي بانت على الأرض بعد سنوات من الاحتلال من دعوات الحوار مع البعث والبعثيين، فالاحتلال الأميركي لم يصنع شيئاً في العراق على المستوى السياسي، سوى توليد فريقين سياسيين احتلا صدارة المشهد فيه هما: الاحتلال والمقاومة.
ووراءهما، في خلفية المشهد، جوقة سياسية مؤلفة من كافة التلاوين الفكرية والسياسية، والفواصل بينها عديدة وكبيرة على صعيدي الموقف الوطني والموقف السياسي، أي على صعيد الموقف من الاحتلال والموقف من المقاومة. بينما بقي الثابت الوحيد في الحالة العراقية: جدلية الاحتلال والمقاومة.
وفي هذا السياق، تشير مصادر موثوقة من داخل العراق، بأن مجموعات عراقية مسلحة تضم قيادات مكونة من ضباط الجيش العراقي السابق من حاملي الرتب المتوسطة وآخرين من أصول بعثية تتفاوض منذ أشهر عدة مع الحكومة للدخول في العملية السياسية والتخلي عن السلاح.
وهو أمر أكده مستشار شؤون الصحوات في العراق ثامر التميمي نهاية مارس الماضي، بقوله ان ممثلين عن فصائل مسلحة قريبة من حزب البعث، وهي الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين وأنصار السنة وحماس العراق يتفاوضون حالياً مع الحكومة العراقية.
وأشار إلى أن آخرين من قادة هذه الفصائل يقيمون بالخارج في الطريق إلى مباركة هذه المفاوضات التي تجرى منذ أشهر عدة وتتضمن دخول هذه الفصائل في العمل السياسي والتخلي عن السلاح.
مع أن التميمي لم يشر إلى مشاركة ممثلين مباشرين عن حزب البعث بجناحيه (عزة إبراهيم الدوري ويونس الأحمد) في المفاوضات، كما أنه لم ينف ذلك إلا أنه أيد ما أعلنه مصدر حكومي عن قرب توجه وفود حكومية إلى دول عربية مجاورة للتفاوض مع «أربعة أحزاب قومية وأخرى يسارية، يمارس اثنان منها النشاط بسوريا والثالث في مصر بينما يوجد الرابع في لندن».
وهو ما أشار إليه عضو البرلمان عن التيار الصدري بهاء الأعرجي، فقد استبعد المفاوضات مع البعثيين، معتبراً أن «المفاوضات تتم الآن مع عناصر بعثية بصفتها الشخصية لا الحزبية».
كما جاءت تصريحات موفق الربيعي رئيس هيئة الأمن القومي في العراق بعد يومين فقط من اللقاء الأخير الذي عقد نهاية الشهر الماضي بين السيستاني والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في مدينة النجف، حيث أعلن موسى أنه «لمس تفهماً كبيراً لدى السيستاني لعدم استثناء أحد من المصالحة العراقية، وأن السيستاني مع أن يشارك الجميع بلا استثناء في بناء العراق».
كما أشارت معلومات مؤكدة عن اجتماع عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية ومحمد رشاد الشيخ راضي وهو عراقي يقيم في دمشق وعضو في حزب البعث.
وكانت معلومات متواترة من أكثر من مصدر تحدثت عن مفاوضات تجري مع عناصر بعثية قيادية وغير قيادية داخل وخارج العراق، ولقاءات مع عدد من قيادات التيار العربي في العراق، واتحاد الديمقراطيين العراقيين، وغالبية قيادات هذه التنظيمات من البعثيين السابقين الذين كانوا معارضين لنظام حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين إضافة إلى شيوعيين سابقين (من خارج إطارات الحزب الشيوعي الكردستاني والحزب الشيوعي العراقي الرسمي المشارك في حكومة نوري المالكي بشخص أمينه العام حميد مجيد موسى) ومن بين هؤلاء معاذ عبدالرحيم وزيدان فارس وعبدالله اللامي وعلي الجاسم من التيار العربي في العراق، وعبد الأمير الركابي زعيم اتحاد الديمقراطيين.
ولم تستبعد ذات المصادر مشاركة بعثيين بصفتهم الشخصية، وذلك في سياق تحضيرات لعقد مؤتمر موسع في بغداد بمشاركة (750) شخصية سياسية وعشائرية لإحلال المصالحة الوطنية في العراق، وصياغة رؤية مشتركة للمصالحة الوطنية، وان أحد جناحي البعث مدعو بشكل رئيسي للمساهمة بأعمال المؤتمر، والجناح المقصود هو جناح عضو القيادة القطرية السابق يونس الأحمد المقرب من سوريا كما تقول بعض المصادر، فيما مازالت أمور غير ناضجة مع الجناح الآخر الذي يقود عزة إبراهيم الدوري المسمى من قبل العديد من فصائل المقاومة العراقية أميناً عاماً للحزب ورئيساً للهيئة العليا للجهاد والتحرير في العراق.
كاتب فلسطيني ـ دمشق