صناعة التضليل الإعلامي غير إضاءة التنوير الإعلامي، في الأولى يكون قلباً للصورة أو التعامل مع نصف الحقيقة والتجاهل للنصف الآخر هو مفتاح التضليل، وفي الثانية تكون قراءة وعرض الصورة بأبعادها المختلفة، ونشر الأخبار الحقيقية من مصادرها الموثوقة والمعلومة، وطرح الرأي والرأي الآخر في الإعلام هو مفتاح التنوير.
والكاتب أو المثقف أو الإعلامي السوي هو الباحث أولا عن حقائق الصورة من زواياها الأربع، ثم هو الناشر الشجاع لما يرى أنه الحقيقة من موقف داعم لما يراه حقا، ويكون كاشفا لما هو زائف أو مضلل، ورافضا لما يراه خطأ ومجافى للصواب ولا يتفق مع الحق ولا ينتصر للعدل، بعينين اثنتين لا بعين واحدة وبضمير مطمئن.
والكاتب السوي في النهاية لا يجب أن يكون مرتهنا لأحد أو لطرف على حساب الحق أو مجافاة للحقيقة الموضوعية، وليس ساعيا لقلب الحقائق بقصد تضليل الناس لحسابه أو لحساب غيره، ولدعم ما يعرف أنه الزيف، بعينين مغمضتين أو بعين واحدة أو بغرض سافر أو مستتر أو بضمير غافل أو غائب !
والإعلامي الحقيقي ليس قاضيا، وإن كان عليه أن يتسلح بضمير القاضي، بل هو في النهاية محقق نزيه، وشاهد أمين وليس شاهد زور، يروي للرأي العام شهادته عما تجمع لديه من وقائع، وهو من يسعى للحصول على الحقيقة في كل حدث أو قضية من مصادرها المختلفة.. وهو في النهاية وبعد التحري والتمحيص بضمير الشاهد وليس مجرد الراوي المردد لأقاويل الآخرين، لا يكتم الشهادة عما يكتشف أنه حقيقي حتى ولو كانت على حسابه أو على حساب منبره الإعلامي وليس جناية متعمدة على الحقيقة..
لكن كشف الحقائق بغير تجزيء ولا تحريف أو تعتيم أو تزوير، كمقدمة ضرورية للرأي العام ليكشف من يقف معه أو ضده، ليس فقط مرهونا بموضوعية المثقف أو بأمانة الإعلامي، بل هي في الأساس مرهونة بمناخ الحرية العام في المجتمع، وبثقافة الديمقراطية الحقيقية لا الشكلية أو المدعاة، وبمدى اقتناع من يملك في النهاية قرار المنح والمنع بضرورة الحرية وضرورة الحقيقة بغير تهوين أو تهويل، وبمدى ما للسلطة من موقف رشيد أو عنيد من الحرية والحق والعدل، وما إذا كانت مع الإضاءة أم مع التعتيم، ومع حرية التعبير أم مع أسلوب التكميم العقيم.
والذين يشنون الهجمة الشرسة على أمتنا العربية والإسلامية بالغزو والاحتلال وإرهاب الدولة والحصار والتهديد بالحرب من خارجها، والذين يتماهون مع مشروعهم العدواني بالقصد المتغافل عن الوقائع الحقيقية، أو باللا قصد الغافل عن الثوابت المبدئية من داخلها بإعلاء الفردي على الجماعي والحزبي على الوطني، وبمحاولة خلق تناقض بين الوطني والقومي، وبين القومي والديني، وبإثارة الانقسام القومي والعرقي والطائفي والمذهبي انما يقعون في الخطأ.
والذين يقفون بالقصد في الموقف الذي يقفه أعداء الأمة الساعين إلى إشعال المعارك بين أجزائها وإشعال الحرائق بين أطيافها، من وراء لافتات صحيحة بمضامين زائفة عن الحرية والسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان يصلون إلى حد الإثم والجريمة، أما الذين يقعون في الشراك الخداعية الفكرية والإعلامية والقانونية لتقسيم الأمة وتشطير الأوطان العربية والإسلامية سياسيا وعرقيا وطائفيا ومذهبيا، فإنهم يتيحون لأعدائهم وأعداء أشقائهم القضاء عليهم جميعا بتحويل جبهة الصراع من حدود الأعداء إلى حدود الأشقاء!
كاتب مصري