ساد في مطلع عقد الثمانينات الماضي الحديث عمّا أطلقوا عليه تعبير «الثورة الأميركية المحافظة». كان المقصود هو ذلك التوجّه الذي انتهجه الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان على صعيد الاقتصاد والسياسة للنهوض بأميركا واستعادة موقعها القوي في العالم.
واليوم قد لا يكون من المبالغة القول ان النهج الذي أعلنه الرئيس باراك اوباما على صعيد سياسات بلاده هو نوع من «الثورة»، بعد «ثورة» انتخابه رئيسا لأميركا. ويمكن أن تنطبق على الحالتين صفة الثورة «غير المحافظة».
ومنذ أن اختار الرئيس اوباما هيلاري كلنتون، كوزيرة للخارجية، أعلن في الواقع عن رسالة واضحة وهو أنه لا يريد تسليم قيادة دبلوماسية إدارته لشخص أكثر خبرة منه في هذا الميدان.بمعنى آخر هو أنه هو الذي سيحدد شخصيا المنحى الذي ستتخذه السياسة الخارجية الأميركية في عهده.
هذه السياسة لم تتحدد بصورتها النهائية حتى الآن. هناك الكثير من التفسيرات والتأويلات والمؤشرات حول وجهتها. لكن دون معرفة المدى الذي يمكن أن تصل إليه على مختلف المسارات، وفي مقدّمتها ما يتعلّق بقضايا الشرق الوسط العالقة الشائكة.
الخطوة الأولى، الكبيرة، في منحى التغيير تمّت في الواقع منذ الحملة الانتخابية الرئاسية في الخريف الماضي عبر الإعلان عن القطيعة مع نهج الإدارة السابقة ونزعتها «التبشيرية» وتقسيم العالم إلى معسكر «الخير»، الأميركي طبعا، ومعسكر «الشر» لمخالفي أميركا مجرّد الرأي.
لكن السياسة لا يتم تقييمها على أساس النوايا والمؤشرات وإنّما على صعيد الأفعال، وقبل كل شيء النتائج. ولعلّ أبسط ما يمكن أن يقال هو أن التشكيك بتوجهات سياسة اوباما وبإمكانية تحقيق النتائج المرجوّة منها هو من أكثر المفردات ترددا في قاموس خبراء «استقراء« المستقبل.لكن ليس أبدا التشكيك بصدق نوايا اوباما في السعي لخلق حوار بنّاء مع بقية العالم.
لقد فتح اوباما «جبهات» في كل الاتجاهات. جبهة على صعيد الاقتصاد حيث حدد «العدو» في رموز وول ستريت الذين تقاضوا لسنوات طويلة الملايين باسم رأسمالية مالية «افتراضية» لا تنتج شيئا.وقد شنّ حربه عليهم باسم الشرائح الواسعة من أصحاب الدخل المتواضع والفقراء والعاطلين عن العمل.
ورغم كل ما قيل عن مساعي اوباما لإنقاذ النظام المالي عامة والبنوك خاصة فإن «وول ستريت» يقدّم اوباما على أنه «يساري متطرّف ـ يسراوي ـ متغطرس، ولا يفقه شيئا في الاقتصاد».
وجبهة أخرى يفتحها اوباما من أجل تحسين صورة أميركا في العالم التي شوّهتها الإدارة السابقة و«قطّعت» أواصر العلاقات الطيّبة حتى مع الكثير من الأصدقاء في العالم العربي والإسلامي.
اوباما كان صريحا في التعبير عن إرادة تصحيح هذه المعادلة «المختلّة» مع هذا العالم عندما قال كلاما بليغا في دلالاته مفاده «أريد أن أكون في أقصى ما يمكن من الصراحة والوضوح. الولايات المتحدة ليست، ولن تكون، في حرب مع الإسلام.
إن شراكتنا مع العالم الإسلامي حاسمة.وسوف نصغي إلى ما يقوله لنا وسنزيل كل أشكال سوء التفاهم لإيجاد أرضية مشتركة.
وسوف نحافظ على الاحترام حتى عندما لا نكون على اتفاق. لقد ساهم الأميركيون المسلمون في ثراء الولايات المتحدة، وهناك الكثير من الأميركيين لهم أصول إسلامية في نسبهم أو أنهم عاشوا في بلدان غالبية أهلها من المسلمين. اعرف ذلك ببساطة كون أنني واحد منهم».
وليس من المبالغة القول ان اوباما يبدو ك«بريق من أمل» بالنسبة لأولئك الذين ينضوون تحت راية التقدّم بمدلولها العريض في العالم العربي والإسلامي والذين همّشتهم إدارة بوش واعتبرتهم من «سقط المتاع». ثم إن اوباما يشكّل أملا «مبهما« بالنسبة للبشر العاديين الذين لا ينتظرون أي شيء من أميركا.
الكلّ يتساءلون عمّا سيحققه اوباما على صعيد قضايا العالم العربي والإسلامي المصيرية.لكن الكل على قناعة أنه يريد أن يدفع الأمور إلى الأمام، تماما على عكس جورج دبليو بوش. من هنا يترقّب الكل أيضا ما سيقوله للعرب والمسلمين من القاهرة.
وجبهة أيضا في مواجهة الإسرائيليين.إنها مواجهة «غير معلنة» ولكنها دائرة في الواقع مع حكومة بنيامين نتانياهو. ذلك أن اوباما «جدّيٌ» في التقدم نحو حل الدولتين بمقدار ما كانت إدارة بوش «جديّة» في عدم فعل أي شيء يثير حفيظة، بل مشاعر الإسرائيليين.
الضغط الذي يمارسه اوباما على أصحاب القرار في إسرائيل اختزله أحد المعلّقين بكلمة واحدة هي «ثورة» في سلوكية الولايات المتحدة حيال الدولة العبرية.
وفي أميركا اللاتينية يذهب اوباما في «الاتجاه المعاكس» لذلك الذي كانت قد سلكته الإدارة السابقة. مثال واحد يمكنه أن يقول الكثير ؛ ففي الوقت الذي كان الرئيس بوش قد رأى في الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز «صورة الشيطان» ـ وبنفس الصورة رآه بالمقابل تشافيز ـ مدّ باراك اوباما يده له.
صحيح لا تزال هناك حالة انتظار وترقّب متبادل، لكن الخطوة الأولى، الأصعب، تمّت.أحد المقرّبين من تشافيز لخّص التبدّل الجاري بالقول:«لقد استمع اوباما إلى أكثر الخطابات انتقادا له. لكن بوش كان يرفع السمّاعة عن أذنيه عندما كان يسمع ما لا يعجبه».
الأميركيون، بيضهم وسودهم وبقيّة «ألوانهم» يريدون من اوباما أن يعيد لهم أميركا التي «تجعل كل شيء ممكنا» وحتى وصول من هم من أمثاله إلى البيت الأبيض. والعالم الخارجي ينظر نحو اوباما وكأنه «المنقذ».
إن هذا الرجل الذي لم يكن قيل عامين سوى مجرّد سناتور أميركي مغمور عن ولاية الينوا يفتح اليوم طريقا عريضا أمام بلاده والعالم. إنها «ثورة» حقيقة، ولكن ككل ثورة لها أعداؤها.أنهم كُثر وأقوياء وأصحاب مصالح كبرى. والطريق شديدة الوعورة و«الخطورة».
كاتب سوري ـ باريس
