الذاكرة الإنسانية اختيارية، فهي دائماً تتهرب من الذكريات المؤلمة، ودائماً تبحث عن مساحات الراحة، ولذلك فهي تحاول أن تنسى الرواد، انطلاقاً من أن النسيان نعمة من نعم الخالق، إلاّ إن التوتر والقلق الإنساني، يبرز فوق أي اعتبار، ويتخطى كل الخطوط الحمراء، في كل المراحل التاريخية، مهما كانت تلك الخطوط من القوة والعنف، وربما أحياناً كثيرة من القسوة والاضطهاد.

كان الحلم العربي في الوحدة، والتحرر من قيود العصور الوسطى، في ما بعد الحرب الأولى ومن ثم العالمية الثانية، يحمل مشروعاً نهضوياً طموحاً، وتفاؤلاً لا حد له، ونزعة للحرية.

أسس لها العديد من المفكرين ومنهم عبد الرحمن الكواكبي الذي كتب عن طبائع الاستبداد رسم فيه النمط المتحرر الذي يريده لأمته ووطنه، كان الحلم يحمل أملاً في دولة واحدة تجمعه، ذلك الحلم أدى إلى العديد من الحروب الداخلية ونصبت أعواد المشانق لخيرة رواده ومفكريه الذين حملوا لواء الثورة في بيروت ودمشق، وتحقق الحلم وطرد الأتراك، ولكن خيبة الأمل واجهته باتفاقية سايكس بيكو، وجيوش الانتداب الفرنسي تدخل بيروت ودمشق، والإنكليزي تدخل القدس وبغداد، ووجد نفسه في حالة تقسيم عوض الوحدة، والانتداب بدل الحرية.

وأنجزت بعض الدول العربية استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، ووجدت نفسها في عالم مقسوم على نفسه بين معسكرين وبين عالمين وبين مشروعين متنافسين بين الشرق والغرب، ولم يكن مسموحاً الخروج عن الخطوط المرسومة بين القوى العالمية، ولم يدرك ذوو الاتجاهات الوطنية والمحلية اللعبة الدولية.

بل اعتقد البعض أن الخيط الفاصل بين الاثنين وهمي، بل هو غير حقيقي، وأن القوى السياسية تحمل المبادئ المثالية، ولم تدرك أن القيادات السياسية لديها أجندة خاصة، لا تراعي ذلك الوعي القومي والوطني، اللهم إلا ندرة أدركت لعبة الأمم أو مقولة عشرة أيام هزت العالم.

وكانت العبرة في التاريخ الحديث للعالم، حينما أدركت القوى الفاعلة أن العالم سواء، في المعسكر الرأسمالي، أو غيره، لديه حسابات أخرى لا تراعي الجانب الإنساني في العلاقات.

وجاءت مرحلة التسعينات، في مرحلة فاصلة في العلاقات الدولية، حينما أوحت الإدارة الأميركية بإحداث تغيير في الخارطة السياسية لأهم منطقة في العالم، منطقة الطاقة الدائمة للمجتمعات الرأسمالية، وهي النفط، مع بروز النهاية الدرامية لذلك المستبد الذي اعتقد أنه قائد الأمة بعد جمال عبد الناصر، وأنه حامي الحدود الشرقية، وحاول حكيم العرب المغفور له بإذن الله الشيخ زايد أن يجنب العراق الدمار والاحتلال الأميركي.

حينما نصح صدام بالتخلي عن الحكم، وكان من نتائج حرب احتلال العراق أن أصبح العراق نموذجاً للفساد والتحلل والتخلف، والخليج لا يزال يدفع ثمن تلك الحرب، وكأنها داحس والغبراء في العصر الحديث. إلا أن تلك المرحلة أبرزت قيادات وطنية، اعتقدت أن الولاء للقطر أولى من الولاء للقومية؟!.

وأصبح ما كان يقال همساً وعلى خجل قبل بضعة عقود يقال علناً، بل وأصبح مثاراً للفخر، وارتفع شعار هذا القطر أو ذاك أولاً على الواجهة، وأصبح الذين يؤمنون أن مصلحة الأمة تقدم على مصلحة القطر، لأن الأمة هي الضامن وهي الحصن، في حين يعجز القطر عن توفير الحماية، بل يخلق نزاعات بينية تتقدم على النزاع مع العدو الذي يهدد الحدود والوجود، أصبحوا قلة ويعتبرون من الحرس القديم، ومن أصحاب الفكر التقليدي الخائب.

في تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ الأمة العربية، اعتقد البعض أن الشعارات البراقة، للوحدة أو الصراع بين اليمين واليسار مجازاً، هي الآلة الإعلامية التي ضللت الجماهير، والتي في الحقيقة كانت تنظر إلى الصراع وكأنه صراع بين من يملك ومن لا يملك، وللأسف الشديد سارت بعض الجماهير حسب نظرية النعاج، ولم تدرك أن نجاح التنمية في دول الخليج هو الذي يحقق الحلم العربي، في خلق فرص للتطور، بعد أن فشلت للآسف الشديد العديد من الأنظمة العربية على المستوى العربي في تحقيقه. لأن الظروف الذاتية والموضوعية لم تكن قد وصلت إلى المرحلة الانطلاقية في الوطن العربي.

إذاً، ما هو الحل لهذه الإشكالية التنموية؟. هل من طريق ثالث حسب أطروحات «جندجز» في كتابه ذلك؟.

في هذه اللحظة من الألم والطموح، برز ذلك القادم من القرن الماضي، إنسان كان يحلم بتحقيق التكامل بين النفط والعنصر البشري في الوطن العربي، فنحن نمتلك مصادر الطاقة في العالم والكادر الإنساني، إلا أن الكادر البشري دائماً كان يقدم كقربان للآلهة، وخاصة حينما يكون ذلك الإنسان ذا مبادئ، ولديه الاستعداد لأن يكون ضحية من أجل الوطن.

هنا برز فيصل الصانع، ذلك الإنسان الذي رفض أن يكون حاكماً للكويت في ظل حكومة شكلها الدكتاتور صدام حسين، وفيصل قدم نفسه قرباناً للوطن، على حسابات المصلحة الشخصية.

وربما يتساءل القارئ ما هي العلاقة وما هو الرابط في هذا الموضوع؟، ما هي الصلة بين ما طرحته وبين إنسان رحل عن هذه الدنيا في القرن الماضي؟، الحق إن الرابط قوي، لأن فيصل الصانع ظل رمزاً للوطنية التي ضحت بنفسها من أجل الوطن، تلك حقيقة تؤكد على أن الديمقراطية تحافظ على وجودها، حتى في مراحل هيمنة القوى غير الديمقراطية، من المؤكد أن فيصل الصانع سيظل مثالاً بارزاً، وطنياً في كل الظروف وإن الإنسان العربي سيجد العديد ممن هم على نهج فيصل الصانع.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

almutawa_mohammed@hotmail.com