تُعد زيارة أوباما لمصر وخطابه المرتقب من جامعتها العريقة الحدث الأبرز الآن في عالمنا العربي. فطوال الأسابيع الماضية لم يكن هناك شأن مشترك للصحافة العربية سوى الحديث عن هذه الزيارة. ورغم كثرة الأحداث في عالمنا العربي والتحولات المختلفة التي تواجهنا فإن زيارة أوباما قد تصدرت كافة الموضوعات وغلبت على عناوين الصحف والمجلات والمواقع.

ويمكن تصنيف تلك الكتابات تحت ثلاثة أنواع تعبر بدرجة أو بأخرى عن اتجاهات الشارع العربي تجاه الزيارة.

أول هذه الكتابات هي تلك التي يروج لها الكثيرون من خلال التأكيد على أهمية الزيارة وما تحمله للعالمين العربي والإسلامي. تستند هذه النوعية إلى ما تحمله وضعية أوباما الجديدة من احتفاء عالمي أثناء انتخابه وفيما بعد وصوله إلى البيت الأبيض.

كما تتسم هذه الكتابات بالتفاؤل الشديد به، حيث تصور إمكانية قيام أوباما بدور حقيقي في المنطقة، إلى الحد الذي وصل ببعض هؤلاء إلى ضرورة التخلص من التشاؤم العربي المستعصي تجاه أميركا وضرورة التمسك بأوباما والثقة فيه والعمل من خلاله.

من عيوب هذه الكتابات أنها تنطلق من موقف يلوم العرب وسياساتهم بدرجة أو بأخرى في الوقت الذي تبرأ فيه الأطراف الأخرى وعلى رأسها أميركا وفي أحيان غير قليلة إسرائيل.

لا يعيب هذه الكتابات نقد الواقع العربي بقدر ما يعيبها عدم الاستناد لحقائق موضوعية وأدلة واقعية. تقود هذه النوعية من الكتابات التبشير بالعصر الأوبامي الجديد للمنطقة مع إمكانية إيجاد حلول لكل مشكلاتها إذا استفدنا من الفرص التاريخية التي تحملها الزيارة وتؤسس لها.

وتنطلق أغلب هذه النوعية من الكتابات من دول المنطقة المؤيدة للزيارة والداعمة لها والمرحبة بها، حيث تمثل واجهة لأنظمة سياسية بعينها تروج للزيارة من ناحية وتحتفي بها من ناحية أخرى.

ثاني هذه الكتابات هي المناهضة للأولى والرافضة للزيارة كلية، حيث ترى أن أوباما مثله مثل غيره لن يغير شيئاً في المنطقة ولن يضيف جديداً لها. كما ترى أن سياسات أوباما محكومة بالمؤسسات الأميركية التي تقيد من توجهاته حتى لو اتسم بالرغبة في التغيير عن سابقيه وإيجاد حلول جذرية للصراع العربي الإسرائيلي.

تنطلق هذه النوعية من عداء مسبق للإدارة الأميركية بحيث لا ترى بوجود أي تغيير حقيقي في مقولات أوباما أو توجهاته. وغير بعيد عن تلك الكتابات مهاجمتها للأنظمة العربية المؤيدة للسياسات الأميركية والداعمة لها والواثقة فيها.

فمن الأشياء الجلية هنا هذا المزج الواضح بين عداء هذه الكتابات لأميركا وعدائها لبعض الأنظمة العربية المساندة لها. فإذا كان يعيب النوعية الأولى التصاقها المفرط ببعض الأنظمة العربية في تحديد مواقفها من زيارة أوباما والتهليل لها، فإنه يعيب النوعية الثانية مواقفها المسبقة من الزيارة استناداً لعدائها المسبق لذات الأنظمة العربية المؤيدة للزيارة.

ما بين هذين النوعين من الكتابات تبرز نوعية ثالثة لا تؤيد الزيارة ولا تناهضها وإن كانت ترى أنها لن تقدم جديداً للمنطقة من موقع ضرورة اعتمادنا على أنفسنا والعمل على تحسين أوضاعنا. وبقدر سيادة نوعية الكتابة الثانية الرافضة للزيارة فإنه يمكن القول ان الفريق الثالث هو الأكثر انتشاراً في عالمنا العربي، وهو محكوم باليأس من التوجهات الأميركية من ناحية وبضعف الأنظمة العربية من ناحية أخرى؛ فموقفها من الزيارة مغلف بالإحباط وباللا مبالاة.

من هنا فإن تعاملها مع الزيارة ينطلق من فتور وعدم تحمس لها، بل إنه يرى أن الزيارة مثلها مثل أية زيارة لرئيس دولة غربية أخرى يجب التعامل معها في هذا السياق دون تضخيم أو أمنيات. يتسق هذا الموقف أيضاً مع عدم إحساس المواطن العربي بالزيارة وعدم اهتمامه بها بالشكل الذي تحاول وسائل الإعلام العربية الترويج له.

فالمواطن المشحون بالمشكلات اليومية على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لن ينتظر من زيارة أوباما أن تحل له أي من مشكلاته المختلفة وأن تحرر المنطقة من براثن الصراع العربي الإسرائيلي المتواصل.

رغم ترويج وسائل الإعلام العربي من تضخيم لأهمية الزيارة من خلال ترسانة الصحافيين والإعلاميين الجاهزين فإن ردود أفعال المواطن العربي تكشف عن استخفاف شديد بالزيارة، وهي مسألة تكشف عن عمق المسافة التي تفصل بين السياسة والإعلام العربي من ناحية وتوجهات الشارع العربي من ناحية أخرى.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com