مثلت نتيجة الانتخابات البرلمانية الأخيرة في الكويت تحولاً مهما ليس من حيث تحول ميزان وحصة القوى السياسية والدينية والقبلية داخل المجلس، وإنما من حيث أن مزاجا نوعيا وعاما وجديدا بدا يتشكل لدا الناخب الكويتي.

هذا المزاج الذي قد يعبر عن أحد أمرين: انه قد يعبر عن تحول ظرفي سأم فيه الناخب الكويتي ما قد يسمى بصراع «الديكة» داخل البرلمان ورغب في حالة من التغيير. وبالتالي فإن ما حدث إن هو إلا تغيير مرحلي يسهل إعادته لمزاجه السابق بقدر قليل أو كثير من التوتير القبلي أو المذهبي أو السياسي بين القوى والتضامنيات القبلية والمذهبية المختلفة.

أو أن يكون وهذا ثانيا ما حصل يعبر في حقيقته عن تحول جوهري لدى الناخب الكويتي، وأنه مزاج يعكس التحول الجديد الذي أصاب الفرد وبالتالي المجتمع الكويتي خلال السنوات الثلاث الماضية.

وأن قدرا مما قد يسمى بالحصانة الثقافية قد أصاب الناخب الكويتي، من حيث إن عمليات التصعيد والتوتير التي تقودها القوى القبلية والمذهبية وقوى الإسلام السياسي قد أصبحت ذات تأثير ضئيل على خيارات الفرد وتحديدا في الدوائر الانتخابية الثلاث الأولى. وأن الناخب الكويتي بات يتجه بصورة أو بأخرى نحو أن تكون خياراته الانتخابية أقرب إلى الوسطية وبعيدا عن تأثير القوى السياسية والتضامنيات التقليدية.

فالكويت خلال السنوات الثلاث الماضية ولأسباب متعلقة كما أعتقد بالداخل الكويتي، ولأسباب أخرى قد اعتبرها البعض نتيجة لصراع القوى داخل مؤسسة الحكم، قد دفعت نحو حالة من التأزيم السياسي الداخلي أخذ في إحداها بعدا مذهبيا طائفيا في قضيتي تأبين القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية، والتي قلنا في حينها إنه لولا التوظيفات السياسية الداخلية لها لمرت بسلام، أما القضية الأخرى فهي قضية رجل الدين الشيعي الشيخ الفيلي والذي اتهم من قبل التيار السلفي الكويتي بسبه للصحابة.

أما البعد الثاني لذلك فقد أخذ بعدا قبليا والذي يحمل مدلولات مناطقية كصراع ما يسمى بالعائلات الحضرية في المناطق الداخلية (داخل سور الكويت) مقابل القبائل في المناطق الخارجية (أي خارج سور الكويت التقليدي). وهما بعدان قد استثمرا استثمارا كبيرا ونقول «مبدعا» من قبل أطراف وقوى داخل مؤسسة الحكم ومن أطراف وقوى يمكن أن تسمى بحكومية ومن قوى الإسلام السياسي بشقية السني والشيعي ومن قبل بعض التضامنيات القبلية والمذهبية.

وهو صراع قد نال كثيرا من هيبة الدولة قبالة المجتمع ومن قوة الدولة كمؤسسة حافظة للمجتمع. كما إنها قد أضعفت من كفاءة أداء الحكومة، لكونها أي القوى والتضامنيات المتصارعة قد أصبحت معاييرها هي القاسم الذي وفقه ينتظم العمل الحكومي. بل ان وفق معاييرها يتم أداء العمل داخل أجهزة الدولة التي اتسم أداؤها بقدر ليس بقليل من الانحيازية العصبوية أخذ في الكثير منه البعد القبلي والطائفي.

وهو أمر لا ينتج عنه إلا مزيدا من التحديد والتضييق على المجتمع الكويتي أخذ في بعضه سلطة التشريع من داخل المجلس واخذ بعضه الأخر تنامي السلطة الآمرة باسم الدين داخل المجتمع.

وهي حالة قد تعبر عن تنامي سلطة رؤى ونهج قوى اجتماعية وسياسية داخل المجتمع من خلال حضورها المكثف داخل المؤسسات التشريعية وقنوات أخرى غير الشرعية. وهي قوى لا تمثل الدين في ذاته وإن عبرت عنه.

من ناحية أخرى فإن رمزية سقوط حزب الإخوان في الانتخابات الكويتية الأخيرة، وان وصول أحدهم لا يعبر عن قدرة التنظيم في تحقيق ذلك وإنما في قدرة انتمائه القبلي على ذلك. كما أن تقلص حضور حجم الجماعات السلفية وصعود ما قد يسمى بالإسلاميين المستقلين وفوز أربع نساء متقدمات في قوائمهن الانتخابية وتقلص حجم نواب التأزيم لثلاثة من النواب، وعودة صعود نواب الخدمات من جديد في الدائرتين الرابعة والخامسة، وتحقيق اختراقات غير مذهبية وسياسية في الدوائر الحضرية الثلاث الأولى لهو في حقيقة أمره تبدل مهم قد حدث في خيارات الناخب الكويتي .

وهو تحول قد فسره البعض في تنامي القطاع الشبابي الجديد وهو قطاع تتقاطع في داخله العلاقات وتتجاوز عنده الانحيازات الاجتماعية التقليدية. فهو قطاع غير سياسي وغير مذهبي وغير ثقافي وهو في بعضه نتاج التحولات الجديدة داخل المجتمع الكويتي وهو يمثل ذات الجيل الذي قاد ما سمي قبل سنتين أو أكثر «بالتحرك البرتقالي» الداعي لتقليص الدوائر الانتخابية من خمس وعشرين لخمس دوائر وهو التحرك الذي حاولت القوى السياسية التقليدية والتضامنيات التقليدية اختطاف ثماره. وهو تحول بدا في درجة أقل في الدائرتين الرابعة والخامسة وأن أسقطت بعضا من نواب الإخوان والسلف ونواب التأزيم وجاءت بكم أكبر من نواب الخدمات..

وخلاصة القول هو أنه سواء كان هذا التحول تحولا مؤقتا أو تحولا جوهريا في مزاج وتوجهات الناخب الكويتي، فإن تعزيز هذا التحول قد يتطلب أولا قدرة من الدولة وأفرادها على ضبط الانفلاتات العصبوية للقوى المنفلتة داخل مؤسسة الحكم وكذلك ضبط انفلاتات القوى الاسلاموية والقبلية والمذهبية. كما أن ذلك قد يتطلب جدية أكبر في إقامة الدولة الحديثة وتعزيز مساحة الحريات الفردية والمدنية وتأسيس مجتمع المواطنة بعيدا عن الانحيازات القبلية والمذهبية.

إن واحدة من معضلات النهوض في الخليج هو أنه رغم حجم وضخامة التحولات التي جاءت على هيكل الدولة وبنية المجتمع، إلا أن النوازع والانحيازات الماقبل حداثية ما زالت تمثل متغيرا مهما ومؤثرا ليس فحسب على صعيد المجتمع وإنما هو كذلك على صعيد مؤسسة الدولة والحكم.

ان الانطلاقة والصعود الاقتصادي والمعرفي لدولة مثل سنغافورا، وهي دولة صغيرة تتسم بتعدديتها الأثنية، لا تعود فحسب إلى قدرة الدولة على ضبط وتسكين نوازع الأفراد وعصبوياتهم الجذرية، وإنما هي كذلك في قدرة الدولة على أن تكون فوق انفلاتات قوى المجتمع بتمثلاتها المختلفة. أن غياب هذه الرؤية عن الدولة، أي دولة كانت، يجعل منها غنيمة في يد القوى الانتهازية والقوى الشمولية وقوى الانحيازات العصبوية.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com