اعتبر العديد من المحللين أن قرار أوباما بزيارة السعودية قبل زيارته إلى القاهرة استند إلى خلفيات وملفات سياسية، لها علاقة بتوازن القوى والعلاقات في الشرق الأوسط.
وأن الإدارة الأميركية تهدف من هذه الزيارة إلى تبادل وجهات النظر بين واشنطن والرياض حول قضايا الشرق الأوسط الملحة، من أجل صياغة أفكار جديدة للسلام لتحريكه قدما، وسعي واشنطن لدفع طهران للتفاوض حول ملفها النووي خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
وقد يكون هذا الرأي جزءا من دوافع قرار الرئيس الأميركي. إلا انه بالتأكيد ليس الدافع الرئيسي. ذلك لأن الحوار الروسي– السعودي الخاص بأوضاع سوق الطاقة، يكتسب أهمية حيوية بالنسبة لسياسات البيت الأبيض الأميركي خلال المرحلة القادمة في مواجهة الأزمة المالية التي تعصف بأركان الاقتصاد الأميركي والعالمي على حد سواء.
الرئيس الأميركي أوباما كان قد ناشد السعودية عدم السعي إلى زيادة أسعار النفط لأن الزيادات الكبيرة لأسعار النفط تترك أثرا سلبيا على الاقتصاد الأميركي. بل وأعلن انه سيبحث هذا الملف مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، لأنه يعتقد أن تعثر الاقتصاد الأميركي المعتمد على النفط المستورد بسبب ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد سيكون له آثار سلبية على الاقتصاد السعودي.
وقد لاقى موقف أوباما استجابة مباشرة من الرياض التي أعلنت أنها تخفض أسعار بيع النفط الخفيف إلى الولايات المتحدة منذ يونيو المقبل في حين تظل أسعار بيع النفط الثقيل السعودي في أميركا كما هي من دون تغيير.فيما سترتفع أسعار بيع النفط السعودي في السوق الأوروبية.
كما أعلنت منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) في مؤتمرها الاستثنائي، والتي تعتبر السعودية اللاعب الأساسي فيها، عن البقاء على حجم انتاجها من النفط دون تغيير، بعد أن دعت بعض الدول لتخفيض الإنتاج بهدف رفع أسعار الذهب الأسود.
ولاشك أن قرار السعودية يعبر عن مصالح سياسية واقتصادية، وبصرف النظر عن أن السعودية تسعى لتثبيت حضورها في سوق تصل استثماراتها فيها لأكثر من ثمانمئة مليار دولار، وحتى تستمر في تصدير نفس الكميات من نفطها إلى الولايات المتحدة، فإن الرياض تريد توطيد علاقاتها السياسية والاقتصادية مع واشنطن، بعد أن عانت هذه العلاقات من برود وتوتر في عهد الرئيس السابق جورج بوش.
ويمكن أن نفهم قرار السعودية الاعتراف باستقلال كوسوفو الشهر الماضي، وبعد مرور عام كامل على إثارة هذه القضية، أنه يأتي في سياق توجه الرياض الساعي لتحسين العلاقات مع واشنطن.
ويبدو أن الرئيس الأميركي ينوي أن يجري تعديلا جذريا على توجهات الإدارة الأميركية التي أقرت بعد 11 أيلول، والتي شملت حملة دعائية غير مسبوقة أطلقت أثناءها اتهامات لا يستند الكثير منها إلى أي سند بحق عدد كامل من الدول الإسلامية بما فيها المملكة السعودية.
وزعمت تلك الاتهامات بأن هذه الدول تساعد جماعات إسلامية متطرفة وتتعاون مع تنظيم «القاعدة»، ويجب السيطرة على حقولها النفطية وتجميد أرصدتها المالية في الولايات المتحدة.
ورغم أن البيت الأبيض والبنتاغون سارعا إلى التنصل من هذه الحملة الدعائية، إلا ان بعض السياسيين الأميركيين الكبار دعوا إلى ضرورة تقليل اعتماد الولايات المتحدة على الواردات النفطية من السعودية عبر استيراد كميات كبيرة من النفط من روسيا.
ويمكن القول إن الرئيس الأميركي أوباما أصبح مضطرا للتراجع عن سياسات سلفه المتشددة، تحت وطأة الأزمة المالية والتي تتطلب مزيدا من التعاون والتنسيق مع كافة أطراف المجتمع الدولي بصرف النظر عن صحة أو خطأ هذه السياسات.
بل إن جوهر برنامج أوباما لحل الأزمة يستند إلى التفاهم والتسوية بدلا من الصدام واستخدام القوة. ويعود ذلك إلى مبدأ أساسي كان يرفض جورج بوش الاعتراف به وهو أن النظام العالمي الجديد يمكن أن يتم تدميره إذا ما استمر استخدام أساليب الصراعات التناحرية، بالرغم من غياب أقطاب بديلة لهذا النظام. وذلك في إطار قانون صراع الأضداد.
خبيرة الطاقة الروسية