مع أن المنطق يقضي بعدم التمادي في التفاؤل في ما يخص احتمال حدوث نقلة جذرية في الموقف الأميركي حيال منطقة الشرق الأوسط، إلا أن الواجب الإنساني يفترض منا على الأقل منح الرئيس الجديد في البيت الأبيض فرصة لإثبات حُسن نواياه وصدق مشاعره. وهذا بطبيعة الحال جزء من الصفات الكثيرة التي نفخر نحن العرب بانتمائنا إليها، بل نعتبرها أساسا مكملا لهويتنا الوطنية.

ويتضاعف هذا الشعور في الوقت الحاضر مع اقتراب موعد زيارة الرئيس أوباما إلى المنطقة، وترافق ذلك مع سلسلة من الأفكار المفسّرة لأهمية المواقف التي سيطلقها في بعض العواصم العربية المهمة، لاسيما ما يتعلق منها بالاقتراحات الجديدة المرتبطة بكيفية إيجاد حل منطقي لبؤرة التوتر الأبرز في المنطقة، أي الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

لكن، وبرغم إيمان كثيرين بضرورة إبقاء الأمل معقودا على ما سيحمله «أبو حسين» الأميركي معه من نوايا طيّبة وتوق للسلام المنشود، إلا أن التجارب الكثيرة المخضّبة بدماء الآلاف تدعونا لأن نكون صارمين أشداء في طرح المطالب وبدرجة عالية من الوضوح، لأن ذلك سيسرع في إظهار الحق الموضوعي وسيضع الأمور في نصابها الصحيح بعيدا عن المجاملات الدبلوماسية التي سئم منها الجميع.

حتى الآن أظهر أوباما بأنه مختلف بشكل كبير عن سلفه الأرعن إن كان في طريقة التفكير أو في كيفية طرح القضايا الحساسة المثيرة للخلافات. وبالتالي فأنه مطالب بأن يكون مختلف أيضا في ملامسة الملفات المصيرية التي أصبحت على درجة كبيرة من الخطورة بحيث باتت تقترب شيئا فشيئا من دائرة الأمن العالمي ككل. فالصراع لم يعد محصورا في الدائرة التقليدية السابقة التي كانت تتناحر فيها الدولة العبرية مع مجموعة من الفدائيين التواقين للحرية، بل بات يمثل صراعا دوليا شاملا بين نهجين مختلفين: الأول يمثل فكر الاحتلال الذي يتعامل مع الجميع وفق منطق القوة والضغوط العسكرية.

والثاني يمثل حالة عدائية شاملة للنهج الأول وكل من يتحالف معه حول العالم. وإذا كان النهج الأول قد تمكن من حشد الدعم والتأييد له على الصعيد الدولي (وهذا أمر يجب الاعتراف به لإسرائيل)، فإن النهج المقاوم استطاع بدوره أن يؤكد بأنه لا يزال يشكّل خيارا مقبولا بالنسبة لكثيرين حول العالم، وبالتالي لا يمكن اعتباره إلا نهجا منتصرا بسبب تمكنه من الصمود والبقاء وتوسيع قاعدته الشعبية.

من هذا المنطلق يجب طرح القضايا بكل وضوح وصراحة، لأن الإصرار على دفن الرأس في رمال المصالح الاستراتيجية الكثيرة لن يحمل النتائج المرجوة. هذا ما بيّنته السياسة الأميركية طوال هذه الفترة، وهو ما ستبيّنه أيضا في المستقبل إن استمرّت الإدارة الحالية بالدوران في نفس الحلقة السيئة التي كان يصر زملائهم من الإدارة السابقة على إفراغها من أية حلول منطقية.

مطلوب إذا من أوباما أن لا يكتفي بالمطالبة من على المنابر بنشوء دولة فلسطينية مستقلة، بل أن يسعى بكل صدق لتأسيسها عمليا. هذا ليس منّة لأحد على أحد بل هو حق أساسي واستراتيجي من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني الذي ذاق من العذاب ما يكفي على مر السنين وبات يستأهل تحقيق جزء من أحلامه ببناء دولة عصرية تعيش بسلام جنبا إلى جنب مع كافة جيرانها.

وهذا مطلب واضح وصريح يجب أن يكون على طاولة المحادثات التي قد تجري بين أي من القادة العرب والرئيس الأميركي، بل يجب أن تبقى أساس المبادرة العربية للسلام المطروحة سابقا والمتبنّاة لاحقا في أكثر من قمة عربية.

في هذا السياق تبدو الإدارة الأميركية الجديدة أمام تحدٍ لإثبات حسن نواياها في ما يتعلق بتفضيل خيارات السلام وفق أساس موضوعي غير متحيز لأي من الأطراف. فإذا كانت جدّية بدفع الأمور قدما وتحقيق الأمل حول احتمال تعزيز فرص السلام العادل، فأنها ستكون مطالبة للقيام بسلسلة من الخطوات العملية إظهارا لطيب النوايا وسلامة التفكير.

وهنا يتساءل كثيرون عمّا إذا كانت هذه الإدارة ستتعامل مع الملف الفلسطيني انطلاقا من الواقع الميداني القائم، أم أنها ستتمسك بنفس الديباجة التي دأب منظرو الإدارة السابقة على تكرارها، وهي أنه لن يتم التعامل إلا مع ممثلي السلطة الفلسطينية دون فتح أي باب للحوار مع الفصائل الأخرى الفاعلة وتحديدا المقاومة منها. هذا الأمر سيكون جوهريا في تحديد المنحى الذي ستتبناه إدارة أوباما لأنه سيكشف ملامح أساسية من التحرك المقبل وسيُبرز بالتالي عناصر الفشل أو النجاح في أدائها المستقبلي.

إن هذا الأمر ينطبق حتما على الطريقة التي سيتبناها أوباما للتعامل مع مفاتيح الأزمة الشاملة في منطقة الشرق الأوسط. فإذا كان يريد السلام الشامل والعادل كما يطالب كثيرون يجب أن يحكم تحركه انطلاقا من حقائق الأرض العملية لا من الأفكار التي تدور في مخيّلة بعض المنظّرين الفاشلين أو الحلفاء الحالمين. وهذه حقائق لن تواجه أوباما في المشهد الفلسطيني فقط، لكن أيضا في لبنان والعراق وإيران وغيرها من دول المنطقة.

سابقا قيل إن السياسة الأميركية تبقى قادرة على التعامل مع أزمات العالم وفق المنطق الذي تراه مناسبا، حتى لو اضطرها الأمر لاستخدام الألاعيب الإعلامية التي بيّنها أحد أشهر أفلام هوليوود «واغ ذي دوغ». اليوم نعود لنؤكد مجددا بأن تلك الألاعيب ستبقى قادرة على التأثير في بعض مجريات الأحداث في العالم وقد تستطيع قلب أنظمة كاريكاتورية والإطاحة بحكّامها.

لكن يمكننا التأكيد أيضا وبكل ثقة، بأن تلك الألاعيب لن تكون قادرة بأي شكل من الأشكال على قتل قضية شعب والقضاء عليها بشكل تام. هذا ما بيّنته التضحيات الجسام على مر التاريخ.. وهذا ما يجب أن يفهمه أوباما بكل تقدير ووضوح.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz