لأبعد نفسي والقراء عن هموم ومشاكل العرب السياسية والاجتماعية، ولو لفترة قصيرة، اخترت موضوعاً مختلفاً هذه المرة.

تعود الإنسان على السفر منذ القدم، وعبر التاريخ ارتبط السفر بالترحال والتجوال، وطلب الرزق والمعرفة. ومن أهم متطلبات السفر في هذا العصر «الجواز» passport، الذي لا يمكن التنقل خارج الوطن دونه، لأنه الوثيقة الرسمية لأي شخص، تقر من خلاله الدولة التي ينتمي إليها بهويته وجنسيته، ويتضمن الاسم بالكامل والصورة وتاريخ الميلاد والمهنة وتوقيع صاحبه.

وقد تختلف هذه البيانات أو تضاف إليها بيانات أخرى في بعض الدول، لكن أهمية الجواز لا تختلف بين شخص وآخر، فحتى الرؤساء والملوك يحتاجون للتنقل خارج أوطانهم، فمتى وأين وكيف بدأت فكرة إصدار جواز السفر؟

حاولت أن أحصل على المعلومات حول هذا الموضوع بكل الطرق والوسائل إلى ان تمكنت من ذلك.

وثيقة السفر travel document أو جواز السفر passport، كما هو معروف عالمياً وبكل اللغات، معناه الحرفي «عبور الميناء» وتقول المعلومات حول تاريخ جواز السفر ان أقدم وثيقة سفر صدرت عام 450 قبل الميلاد من أحد ملوك الفرس لأحد رجاله الذي طلب منه الإذن للسفر إلى بلد مجاور، فوافق الملك وأعطاه رسالة عبور تسهل تنقله.

وتؤكد بعض المصادر ان جواز السفر الذي نعرفه الآن لم يكن موجوداً قبل عام 1915، حيث صدر أول جواز سفر في بريطانيا في هذا العام، وكان عبارة عن ورقة واحدة تحمل صورة صاحبه وتوقيعه وبعض الأوصاف الخاصة، وكان صالحاً لمدة عامين يتم تجديدها لمدة عامين آخرين.

فخلال الحرب العالمية الأولى أصبح الجواز ضرورياً لعبور الحدود في معظم أنحاء أوروبا، لخوف الحكومات من أعمال التجسس أو التهديدات الأمنية، وكذلك رغبة منها في منع أصحاب المواهب المفيدة من السفر مثل العلماء والأطباء، ومع نهاية الحرب العالمية الأولى تم، بناءً على انعقاد مؤتمر دولي عام 1920، إقرار شكل الجواز الجديد بـ 32 صفحة.

وجواز السفر كما يقول القانون الدولي معناه الاعتراف من الحكومة الصادر منها بأن حامله مواطن في تلك الدولة، ولهذا يسمح له بالتنقل خارج حدودها براً وبحراً وجواً.

كما تم الاتفاق على اللغة التي تستعمل في كتابته، فكان القرار باللغة الانجليزية مع الترجمة بالفرنسية، حيث كانت الكتابة عليه قبل ذلك باللاتينية أو الانجليزية ثم أصبحت بالفرنسية، لكن بعد مؤتمر 1920 أصبحت بالانجليزية وفي بعض الدول الناطقة بأكثر من لغة مثل بلجيكا، فللمواطن الحق في اختيار اللغة التي تناسبه من اللغات الثلاث: الفرنسية، الانجليزية، الفلامية، وهي مزيج من الألمانية والفرنسية.وفي الولايات المتحدة الأميركية يصدر الجواز بشكله الحالي بثلاث لغات الانجليزية، الفرنسية، الاسبانية.

وتقول بعض المصادر ان تاريخ الجواز فيها بدأ بإصداره لبعض المواطنين في بعض الولايات ما بين 1775-1783 خلال حرب الاستقلال، وكان صالحاً من ثلاثة إلى ستة أشهر.

ومر الجواز الأميركي بتطورات منذ تلك الفترة بسبب تعدد الجهات الصادرة منها، وافتقاره إلى السلطة القانونية خاصة خلال الحرب الأهلية. لكن خلال الحرب العالمية الأولى أصبح الجواز مطلباً ملحاً في كل أنحاء العالم، فتم الإعلان عن الحاجة إليه في الولايات المتحدة في أغسطس 1918، لكن تنفيذه تباطأ لغاية مارس 1921.

أما في الدول العربية فتصدر الجوازات باللغة العربية إلى جانب لغة أجنبية أخرى.

وفي منطقتنا فلقد أرسل لي أحد الأصدقاء رسالة صادرة من أحد الحكام عام 1939، يطلب فيها من القنصل البريطاني منح تأشيرة على جواز سفر أحد رعاياه للسفر إلى البحرين، والرسالة لم توضح أي شيء عن الجواز أو شكله آنذاك.

مع مرور الزمن تطور شكل ولون ومضمون وحجم جواز السفر في كل مكان إلى أن أصبح على ما هو عليه اليوم، لكن ماذا عن السنوات القادمة والمستقبل؟؟ فبعض الدول على مشارف إصدار جواز سفر الكتروني يحمل بصمة اليد وبصمة قرنية العين، وآخر اجتماع لمنظمة الطيران المدني الذي استضافته مصر في أبريل عام 2004 وحضرته حوالي 150 دولة، أقر بأن آخر مهلة لجميع الدول لإصدار جواز سفر آلي هي أبريل عام 2010.

فهل يلتزم الجميع بذلك، خاصة وأن الولايات المتحدة الأميركية أجلت إصداره مرتين، كون هذه التقنية غير جديرة بأن يعتمد عليها حسب رأيها؟

لكن من يدري؟ قد يحصل ذلك كما حصل عندما تم تحديد عام 2008 لإلزام جميع شركات الطيران بإصدار تذاكر الكترونية والاستغناء عن الورقية، لأن التطور وايقاع الحياة السريع في هذا العصر يحتاج خلالها الإنسان إلى توفير الوقت واستثماره عملياً لمجاراة التقدم حوله. فهل يأتي يوم ندخل فيه في صندوق في بلادنا لتظهر بياناتها في دولة أخرى خلال لحظات كما يعمل الفاكس؟ لم لا، فسبحان الله كل شيء جائز في هذا القرن، وحينها قد لا نحتاج إلى الانتظار في طوابير تستغرق مدة وقوفنا فيها في بعض الدول أكثر من الرحلة!!!

Sultan654@hotmail.com