كان الموظفون بمن فيهم كبار المديرين والمسؤولين في المؤسسة بلا استثناء يشعرون بأنه متميز وجدير، وفي جميع المراحل الوظيفية التي مرّ بها أثناء خدمته في المؤسسة كان يحتل مكانة خاصة في قلوبهم.

وعندما تبوأ مكانه المناسب كمدير ازدادت اعتماديتهم عليه وترسخت ثقتهم فيه واتسعت الصلاحيات الممنوحة له؛ لقد كان يستحق بجدارة أن يعتبر نموذجا للنجاح الوظيفي، بعطائه المتدفق وبكفاءته في ممارسة وظيفته وبمخرجاته وإنجازاته التي كانت في أعلى مستويات الجودة والدقة قياسا بمؤهلاته الدراسية وبخبراته العملية، أما التزامه المهني والسلوكي فقد كان معيارا قياسيا للمقارنة.

وفي كل أدواره ومهامه الوظيفية والإدارية كان أداء (م. ع.) نابعا من إحساس متجذّر فيه بالمسؤولية، ومن فهم متجدد لثقافته المؤسسية التي تلامس درجة المثالية، ومع عاطفيته وشفافيته النفسية إلا أنه كان يجيد التمييز بين ما هو عمل وما هو علاقة شخصية.

وبالإضافة إلى ذلك فهو متمكن ومتمرّس في قدراته الإدارية سواء عند وضعه خططه التشغيلية أو تصميمه البرامج الزمنية للتنفيذ أو تقديره موازناته السنوية أو التزامه بأوقات العمل أو متابعته تفاصيل العمل اليومي أو هندسته إجراءات التنفيذ أو تطبيقه فن إدارة الوقت، وكانت عبقريته تتألق في بناء فرق العمل والتنسيق بين مجهودات أفرادها وقدراتهم،.

وهو أثناء ذلك لا يغفل عن أي من واجباته التوجيهية لشحذ الهمم واستنهاض الطاقات وتوزيع الأدوار، أو عن واجباته الرقابية لمنع الخطأ من التسرب إلى برامج العمل أو تدارك الأخطاء والانحرافات عن نطاق النتائج المخططة، أو عن واجباته التطويرية لتقييم الأداء وتحسينه ولتوفير التدريب والتطوير الذي يلزم مساعديه للارتقاء بمستواهم الوظيفي؛ أما مهارته في إدارة الأزمات واستثمارها فقد كانت بلا مبالغة مثار الدهشة والإعجاب.

ما كان يتفوق به (م. ع.) على غيره من المديرين وتتجلى فيه إبداعاته ببراعة مذهلة هو قدرته على توزيع الأدوار بين مساعديه، ونقل ما يحتاجون إليه من المهارات والقدرات المعرفية، وتوفير المناخ المحفز لهم للعمل والإنتاج، وكان يكاد يحتكر مهارة بناء الأجيال أو الصفوف الثانية والثالثة من القيادات المرشحة لاستلام زمام المسؤولية في المستقبل، وفق معطيات الغد المختلف ومتغيراته المتلونة.

الغريب في الأمر أن الوسط الإعلامي كان يتجاهل إنجازات (م. ع.) وإبداعاته التي يعجز الآخرون عن تحقيقها أو ابتكارها، أو ربما استهان بأهميتها، وإذا اضطر إلى التعرض لها فإنه يستعرضها باستخفاف، بينما كان يفسر أخطاءه وهفواته عند ارتكابها تحت ضغوط العمل على أنها جرأة نادرة، أو يصور قدرته على اختراق قرارات رؤسائه أو تجاهله نصوص اللوائح والتعليمات في الظروف الاستثنائية على أنها استقلالية متمردة،.

ويتخذ من الحالتين مادة دسمة للتطبيل والطنطنة وقلب الحقائق؛ ومع أن (م. ع.) كان يعي في بداية الأمر خطورة هذه المنهجية الإعلامية التي ترمي إلى إعادة برمجة أدائه الوظيفي، وكان يقظا وهو يرصد أهداف الإعلام من محاصرته في زاوية ضيقة بهذه الطريقة اللاأخلاقية، إلا أن كثافة الحملة الموجهة إليه،.

وتنويع الأساليب التكتيكية التي كان الإعلام يمارسها ضده لتحويل مجرى اهتماماته ومجهوداته بدأت بعد فترة من الزمن في إضعاف مقاومته العنيدة والتأثير عليه، وبدأ تدريجيا يتبنى القناعات التي كان الإعلام يسلطها نحوه بطريقة الإيحاء، فصار ينظر إلى إنجازاته وإيجابياته كأشياء يخجل من أن تنسب إليه، وينظر إلى أخطائه وسلبياته كأشياء يفتخر بارتكابها.

هذه الحملة الإعلامية كانت تؤازرها بالتوازي العديد من المتغيرات التي كانت تموج من حول (م. ع.) وتنتزعه من قناعاته كما تقتلع العاصفة الهوجاء نخلة من جذورها، أو تطير به شرقا وغربا كعصفور في مهب الريح العاتية، لقد كانت تلك المتغيرات متناوبة التأثير، فالمتغيرات الاجتماعية كانت تهز ثوابته ومفاهيمه الأخلاقية والعقائدية، والمتغيرات الاقتصادية كانت تدمر سلوكه الاستهلاكي والادخاري والاستثماري، والمتغيرات التربوية كانت تنخر قيمه ومصادره المعرفية وهويته الثقافية، والمتغيرات السياسية كانت تضيق عليه حركته ليظل دائما في عين العاصفة.

لقد أدرك (م. ع.) بحسّه الوظيفي المرهف أبعاد تلك المتغيرات وتأثيراتها الإفسادية عليه، وعلى تفاصيل حياته اليومية كمدير، وعلى مواصلة مسيرة نجاحاته التي لا يستطيع أن يحققها إلا وهو على رأس عمله؛ ولكن تلك المتغيرات دكّت كل الأسوار واجتازت كل الخنادق التي احتمى وراءها عندما نجحت في التأثير على رؤسائه وأقنعتهم بالتدخل في طريقة ممارسته مهامه الوظيفية، أو غيّرت قناعاتهم بمهاراته وقدراته الشخصية وبالفئة الوظيفية التي يصنّف تحتها، وبعدما كانوا ينظرون إليه كرمز للمرونة والمثالية أصبحوا يتعاملون معه كرمز للجمود والسطحية؛ وعندما أدرك (م. ع.).

وهو مهندس إدارة الأزمات مدى عجزه عن مقاومة هذا التحوّل الصاعق، حاول كل جهده التفاعل معه بذكاء لزيادة الاستفادة من إيجابياته القليلة جدا، أو التقليل من سلبياته الكثيرة جدا،.

ولكن أنّى لسفينة شراعية صغيرة أن تقف في وجه طوفان عارم، فبدأت المغريات والانتقادات اللاذعة تنهش مهنيته العالية وتطعن في ثقافته المؤسسية بضراوة تفوق قدرته على التزامه بأخلاقيات مهنته وتمسكه بمبادئه وسلوكياته واحتفاظه بشخصيته المتميزة، وكانت طوال الوقت أعظم مكتسباته في مساره الوظيفي والمهني.

وهكذا لم يُمهل الفساد الإداري (م. ع.) كثيرا ليجتاز ممارساته ويصل إلى بؤرة عقليته الإدارية، فأصبح يتجاوز رؤساءه ويتعدى على صلاحياتهم أو يسيء استخدام المسؤوليات التي يفوضونه بها، وأصبح يتهرب من الكثير من مسؤولياته وواجباته إلى درجة عدم الالتزام بها أو بتفويضها إلى عاملين غير مؤهلين، بينما يمارس هو بغرور مفرط مهام أخرى لا تتناسب مع طبيعة وظيفته أو لا يتقنها.

وأصبح يترك مقر عمله أثناء أوقات العمل الرسمية ليعمل لدى الغير، ولا يكتفي بذلك بل يسرّب المعلومات السريّة لمؤسسته إلى منافسيها التقليديين، وأصبح لا يخجل من محاولة التسلق للوصول إلى المناصب القيادية العليا بأي وسيلة دون النظر لقدراته العلمية والعملية أو لاستعداداته الشخصية والذهنية.

كما تسرب الانحراف السلوكي إلى ممارساته بإهداره موارد المؤسسة من أجل اقتناء احتياجاته الشخصية، أما حميمية علاقته المعهودة بمرؤوسيه فقد أصبحت فاترة باهتة لدرجة عدم اهتمامه بمشاكلهم، ولدرجة عدم افتقادهم له سواء أكان موجودا أم غائبا.

ومع ذلك بدا (م. ع.) مبهورا بالتغيرات التي طرأت عليه، ولا مباليا تماما بالأعراض التي بدأت تظهر على مؤسسته عندما أظهرت البيانات الأخيرة للمؤسسة تباطؤ الإنتاج إلى مستويات مثيرة للهلع، مما أفقدها معظم حصتها السوقية بسبب تدني جودة منتجاتها، وأدى بالتالي إلى تراجع عائداتها إلى أقل من الحدود الدنيا مع ارتفاع تكاليف الإنتاج مما ألحق بها خسائر حقيقية وتآكلت بسببه أصولها الثابتة، في مقابل ارتفاع معدلات التسرب الوظيفي.

ولاسيما في صفوف الكفاءات والخبرات العالية من العاملين، وكان فشل برنامج بناء القيادات هو أكبر خسائرها؛ وهكذا باتت المؤسسة مهددة بالإفلاس والتصفية لولا عروض بعض المؤسسات الأجنبية المنافسة للاستحواذ عليها، وهذه العروض أصبحت في حكم المقبولة، بالإضافة إلى الاتفاق على أن لا يبقى من المؤسسة إلا مبناها الأنيق الذي سيحوّل إلى مستودع للبضائع.

بقي الآن أن تعرفوا من هو (م. ع.)؟ إنه: المرأة العربية.

كاتب إماراتي

akhalil@dcigroup.ae