السيد الرئيس باراك حسين أوباما
الولايات المتحدة الأميركية ؟ واشنطن - البيت الأبيض
أما بعد،
فهذه خواطر مواطن عربي مسلم، أراد أن يبثها إليكم قبيل خطابكم المرتقب يوم الخميس القادم بالقاهرة التي اخترتموها لتوجيه هذا الخطاب إلى العالم الإسلامي.
لا نخفي عليكم، يا سيادة الرئيس، أن المسلمين قد ضاقوا ذرعاً بسلفكم وانتظروا على أحر من الجمر رحيله، واستقبلوا ولايتكم بكثير من الفرح الذي لم يستطع البعض إخفاءه، وتحفظ البعض في إبدائه، بينما دعا فريق ثالث إلى عدم الإغراق في الفرح انتظارا لما سيتحقق على أرض الواقع، فقد اعتدنا خلال الانتخابات ـ أي انتخابات ـ أن نسمع كلاماً كثيراً لا نسمع له حتى مجرد صدى بعد ذلك.
سيدي الرئيس، نسجل لكم بكل الامتنان التفاتتكم للمسلمين في خطاب تنصيبكم، فقد كنتم أول رئيس للولايات المتحدة الأميركية منذ استقلالها يلتفت إلى العالم الإسلامي في خطاب تنصيبه بعد 43 رئيساً تعاقبوا على البيت الأبيض منذ أن أدى أب الأمة «جورج واشنطن» أول قسم دستوري في شرفة مبنى الشيوخ يوم 30 أبريل عام 1789م كأول رئيس للولايات المتحدة، وحتى مغادرة الرئيس الثالث والأربعين «جورج دبليو بوش» للبيت الأبيض في العشرين من يناير عام 2009م.
لقد أكدتم يا سيادة الرئيس في خطاب تنصيبكم الشراكة الإنسانية بين بلادكم والعالم الإسلامي عندما قلتم: (وللعالم الإسلامي أقول: إننا ننشد طريقاً جديداً إلى الأمام يرتكز على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل) مؤكدين أنكم قد اخترتم (الأمل بدلاً من الخوف) .
وأعلنتم (انتهاء الشكاوى التافهة والوعود الكاذبة والاتهامات والعقائد البالية التي خنقت سياستنا زمناً طويلاً) في إشارة لا تخفى إلى عهد سلفكم الذي قسم العالم إلى معسكرين: «معسكر الخير» الذي يقوده هو، و«معسكر الشر» الذي وضع فيه البلدان والشعوب التي اعتبرها مارقة، فبادلته هذه الشعوب كرها بكره وأطلق بعضها على بلدكم اسم «الشيطان الأكبر».
سيدي الرئيس، لقد شنت بلدكم باسم القضاء على الإرهاب حروباً كثيرة، واحتلت بلداناً، وأزالت من على وجه الأرض أنظمة، وأحلت مكانها أنظمة، لكن هذا لم يزد من تسمونهم (الإرهابيين) إلا عناداً وجرأة عليكم وتحدياً لكم، وكانت غلطة سلفكم الكبرى أنه ربط الإسلام بالإرهاب متجاهلاً أن قلة من المسلمين هم الذين حاربوه، والتعميم يا سيادة الرئيس .
ـ كما لا يخفى على علمكم ـ يوسع دائرة الأعداء ويضيق دائرة الأصدقاء، لذلك كانت دائرة أعداء بلدكم بين المسلمين المعتدلين تتسع بمقدار الهفوات وزلات اللسان التي كانت تصدر عن سلفكم، والآن وبعد سبع سنوات من الحرب التي شنتها بلدكم على أفغانستان، وبعد ست سنوات من احتلال العراق، ما الذي يحدث على أرض هاتين الدولتين اللتين أزلتم نظاميهما وجئتم بنظامين بديلين لهما؟
إنه الخراب والعنف والقتل والفوضى التي دعتكم إلى القول في خطاب تنصيبكم: (سنبدأ بترك العراق لشعبه بروح من المسؤولية، والسعي إلى سلام في أفغانستان) بعد أن قادت الحرب التي شنها سلفكم إلى طريق مسدود تحاولون أنتم الآن إخراج بلدكم منه بأقل الخسائر.
سيدي الرئيس، لقد كان نشر الديمقراطية بين شعوب العالم واحداً من الدعاوى الكثيرة التي شن سلفكم باسمها حروبه على العالم غير الديمقراطي وفق تصنيفه، لكن هذه الحروب لم تجلب لهذا العالم إلا أنظمة أكثر دكتاتورية وتحكماً وفساداً، أنظمة نهبت خيرات تلك البلاد تحت سمع وبصر جيوشكم المحتلة.
وبالتعاون معها أحياناً، وأثْرت على حساب الشعوب التي فقدت الأمن والسلام ولم تعد تحصل على لقمة عيشها إلا بشق الأنفس، فهل هي ديمقراطية الفساد والجوع تلك التي قصدها سلفكم، وإلى أي مدى أنتم عاملون لتصحيح صورة الديمقراطية التي أصبحت مشوهة جراء ممارسات بلدكم في البلدان التي جلبتم إليها الديمقراطية المزعومة؟
سيدي الرئيس، تعلمون أن قضية المسلمين المحورية هي (فلسطين) التي تحتلها حليفتكم إسرائيل، ونحن نعلم أن إسرائيل كانت وستبقى بالنسبة لرؤساء بلدكم خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، منذ أن اعترف الرئيس الأميركي الثالث والثلاثون (هاري ترومان) بالدولة الإسرائيلية عند قيامها في الرابع عشر من مايو عام 1948م، وربما قبل هذا التاريخ بكثير، ونعلم جيدا أن هذا إرث تاريخي لا يمكن لأي رئيس أميركي أن يتخلص منه.
ونعرف أن إسرائيل حليف استراتيجي لبلدكم لا يمكنكم التخلي عنه تحت أي ظرف من الظروف، ومع ذلك فقد أرسلتم إشارات كثيرة قبل زيارتكم للمنطقة وقبل خطابكم المنتظر الذي وصفه المتحدث باسم البيت الأبيض بأنه (جزء من الجهود المتواصلة من قبل الرئيس والبيت الأبيض لتوضيح كيف يمكن أن نعمل معا من أجل تأكيد الأمن والطمأنينة والمستقبل الأفضل من خلال الأمل وفرص الأجيال الجديدة في الولايات المتحدة والعالم الإسلامي) حيث لا أمل ولا فرص للأجيال الجديدة دون حل هذه القضية حلا عادلا يرضي جميع الأطراف.
الأمل إذن هو الشيء الوحيد الذي يبقى لنا بعد تجارب كثيرة باءت بالفشل وزرعت فينا الشك واليأس من التوصل إلى حل نهائي ودائم لهذه القضية التي شغلت كل الذين جاؤوا قبلكم.
ونتمنى أن لا تظل بندا دائما على جدول أعمال الذين سيأتون بعدكم، فقد أعربتم قبل مجيئكم إلى المنطقة عن ثقتكم في إمكانية تحقيق تقدم نحو السلام، ودعوتم إلى إنشاء دولة فلسطينية، وكررتم مطالبتكم لإسرائيل بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وكل هذه مؤشرات تدعونا للتفاؤل، الشيء الوحيد الذي يقلقنا هو أن تتكسر آمالنا وآمالكم على صخرة التعنت الإسرائيلي وفكرة «الدولة اليهودية» التي يدعو إليها اليمين الحاكم في إسرائيل الآن.
وختاماً لا يسعنا، سيدي الرئيس، إلا أن نستذكر مقولتكم في خطاب التنصيب (العالم تغير وعلينا أن نتغير) شريطة أن يكون هذا التغير نحو الأفضل كي ننسى حقبة سلفكم الذي جعلنا نخشى التغيير لأنه كان دائماً نحو الأسوأ.
وبانتظار خطابكم من قاهرة المعز التي طال انتظارنا لخطاباتها ودورها، تقبلوا تحياتنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كاتب إماراتي