على ما يبدو أن الأزمة المالية العالمية سوف يكون لها تأثير كبير في تغيير الكثير من المفاهيم والمواقف المعلنة من بعض الدول تجاه دول أخرى، وقد يتحول عداء البعض للبعض إلى تصالح أو تفاهم وتنسيق، ويبدو أن روسيا، باعتبارها من الدول ذات الوضع الأفضل في الأزمة المالية، سوف تكون صاحبة النصيب الأكبر من تقارب الدول الأخرى منها، وخاصة من جيرانها من الجمهوريات السوفيتية السابقة.
وسوف يدعمها في ذلك عودة الارتفاع في أسعار النفط الذي سيدعم الاحتياطي الروسي من العملات، ولا شك أن أوكرانيا التي يعتمد اقتصادها على روسيا بشكل كبير ستكون من الدول الجارة ذات الطموح الأكبر للمساعدات والقروض الروسية، وهذا ما فعلته رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكا أثناء زيارتها الأخيرة لموسكو ولقائها مع رئيس الحكومة الروسية بوتين.
ولكن يبقى موقف الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو الذي مازال مصمما على رهاناته (الشخصية أكثر منها رسمية) على الدعم والتأييد الغربي، وخاصة الأميركي له، رغم علم يوشينكو أن واشنطن وإدارة الرئيس أوباما ليست مهتمة كثيرا بمشاكل أوكرانيا ولا بخلافات يوشينكو مع موسكو، وأن لدى واشنطن الآن مشاكل واهتمامات أخرى بعيدة عن أوكرانيا لحد كبير.
ومن المفترض أن تشهد مدينة سانت بطرسبورغ الروسية بعد أيام قليلة أول لقاء بين الرئيسين الروسي دميتري ميدفيديف والأوكراني فيكتور يوشينكو، والكثيرون يعولون على هذا اللقاء في تصفية الأجواء، ولكن على ما يبدو أن الرئيس يوشينكو مازال مصمما على مواقفه العدائية مع روسيا حيث استبق هذا اللقاء ببعض التصريحات غير المطمئنة وغير اللائقة أيضا.
حيث قال الرئيس يوشينكو في مقابلة مع صحيفة روسية إنه لا يريد أن يعتبر الروس أن تصرفات أوكرانيا موجهة ضد روسيا، لكنه أيضا لم يتخلى عن انتقاداته لروسيا عندما قال إنه يتمنى على الروس أن يتخلوا عن «طموحات الدولة المستعمِرة» وهذه في حد ذاتها تعتبر إهانة لروسيا ولا يجب أن تصدر من رئيس أقرب الدول في العالم لروسيا وهي أوكرانيا التي تربطها بها علاقات تاريخية وثقافية واقتصادية وأيضا شعبية كبيرة للغاية.
وتطرق يوشينكو إلى الخلاف بينه وبين رئيسة الحكومة الأوكرانية يوليا تيموشينكو حيث قال إن هذا الخلاف بين نهجين اقتصاديين مختلفتين وليس بين شخصين، وإنه ما فتئ ينبه إلى خطورة خطوات الحكومة في المجال الاقتصادي،.
ويقصد يوشينكو هنا بالتحديد تقارب الحكومة ألأوكرانية مع موسكو، وكأنه مسموح لجميع الدول أن تلجأ لروسيا في وقت الأزمة لطلب المساعدة ماعدا أوكرانيا التي عليها أن تظل تحلم مع رئيسها يوشينكو بأن تنفذ واشنطن وعودها لها التي سبق أن أخذها على نفسه الرئيس السابق بوش الابن ورحل دون تنفيذها.
كما اتهم الرئيس يوشينكو حكومة تيموشينكا بأنها مسؤولة عن تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي في أوكرانيا، وقال أنه لا يستطيع أن يمنع الحكومة من القيام بأي خطوة، فهذا يدخل في صميم اختصاصات البرلمان وليس رئيس الجمهورية، ويتناسى يوشينكو أن التدهور الاقتصادي بدأ في أوكرانيا بعد تصعيده هو للخلافات مع روسيا حول تصدير الغاز لأوروبا.
وعلى ما يبدو أن يوشينكو مازال لديه أمل كبير في حلفائه الغربيين وأن يتدخل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية لمساعدته في مواجهة المعارضة، حيث قال «إن الدول الغربية والمنظمات الدولية لن تتغافل عن تفكيك الديمقراطية في أوكرانيا»، للأسف أن يوشينكو مازال يتحدث عن الديمقراطية في أوكرانيا، وهو يعلم جيدا أنه هو أول من ضرب هذه الديمقراطية بمطاردة المعارضة وتهديداته المستمرة للبرلمان بالحل.
فقط كلمة حق واحدة قالها يوشينكو لعلها تلطف أجواء لقائه القادم مع نظيره الروسي ميدفيديف، حيث قال «لا شك أن روسيا دولة كبرى لها تأثير هائل على السياسة في المنطقة وهو أمر يجب أن نأخذه بالحسبان». نأمل أن يستوعب يوشينكو تأثير روسيا الهائل، وخاصة في الظروف الحالية.
كاتب أوكراني