ليس من المبالغة في شيء القول أن المنطقة العربية والعالم الإسلامي من حولها يشهدان خلال الفترة الاخيرة ازديادا كبيرا ومتواصلا أيضا لاعمال العنف والالتجاء إلى السلاح، على نطاق يتسع ويثير في الواقع الكثير من القلق، سواء على صعيد الدول أو على صعيد المجتمعات العربية والاسلامية، التي باتت اخبارها تكاد تتمحور حول الحروب والمواجهات المسلحة واعداد القتلى والجرحى أكثر من أية مناطق أخرى في العالم.

وفي ظل التطور الضخم في تكنولوجيا السلاح، ومن ثم الزيادة الكبيرة في الخسائر البشرية والمادية للمواجهات المسلحة وأعمال العنف التي تتعرض لها العديد من الدول والمجتمعات العربية والاسلامية من ناحية، وما يترتب على انتشار العنف والمواجهات المسلحة وتحولها إلى اسلوب معتاد ومألوف لحل المشكلات داخل بعض الدول والمجتمعات العربية والاسلامية من نتائج تؤثر بالضرورة على تماسك تلك المجتمعات وعلى حاضرها ومستقبلها ايضا من ناحية ثانية، فإن هناك حاجة ماسة في الواقع إلى التوقف قليلا أمام تفاقم ظاهرة العنف والمواجهات المسلحة في عدد متزايد من المجتمعات العربية والاسلامية.

لعله من الأهمية بمكان الاشارة في البداية إلى أن ازدياد وتيرة أعمال العنف والتفجيرات في بعض المناطق العراقية، وكذلك عودة المعارك والمواجهات المسلحة إلى العاصمة الصومالية مقديشيو وغيرها من المدن الصومالية، فضلا عن عودة الاشتباكات إلى دارفور، وتوتر العلاقات بين السودان وتشاد مرة أخرى برغم ما بذل من جهود قطرية وغيرها لتنقية الاجواء بين الدولتين الجارتين، وتفاقم المواجهات المسلحة وازدياد نطاقها، سواء في أفغانستان او في وادي سوات في باكستان، هذه كلها وغيرها تزيد من مشكلات دول المنطقة وتغذي للأسف الصورة السلبية للعرب والمسلمين لدى الكثيرين في العالم، بل ويتخذها البعض ذريعة ومبررا للاستمرار في تشويه صورة العرب والمسلمين بشكل متعمد ولاغراض لا علاقة لها بما يجري في تلك الدول والمجتمعات من تفاعلات وما تمر به من صعوبات لاسباب مختلفة.

واذا كان من المفروغ منه أن التطورات التي تجري في أي من تلك الدول والمجتمعات، او في غيرها، هي من صميم الاختصاص الداخلي لتلك الدول، وان لها وحدها حق اختيار سبل التعامل التي تراها مناسبة لها ومحققة لمصالحها في ظروف معينة، تتحمل هي مسؤولية تقييمها وتحديد خياراتها بحكم مسؤولياتها، إلا ان خبرة التعامل الدولي على امتداد سنوات طويلة اثبتت دوما أن المواجهات المسلحة وأعمال العنف، بأشكالها المختلفة، فشلت دوما في حل مشكلات الدول والمجتمعات، ليس فقط على الصعيد العربي والاسلامي، ولكن ايضا على الصعيد الدولي الواسع، والامثلة في هذا المجال عديدة ومتنوعة إلى حد بعيد.

وعلى ذلك فإنه من المهم والضروري أن تصغي الأطراف المعنية، سواء في الدول والمجتمعات التي نشب العنف أظافره فيها بالفعل، أو التي تدفعها بعض الاطراف إلى الوقوع في هذه الهوة السحيقة، إلى الحقيقة الجوهرية المتمثلة في انه لا مناص من الحوار، الحوار الايجابي والموضوعي، المستند إلى الرغبة والارادة الحقيقية لحل المشكلات والخلافات لصالح شعوب تلك الدول والحفاظ على مصالحها واستقرارها في الحاضر والمستقبل.

فمن خلال الحوار يمكن التوصل الى تفاهمات واتفاقات وتوافقات حول جوانب الخلافات على ساحة هذه الدولة أو تلك حقنا للدماء وحفاظا على مصالح الشعوب واستقرار المجتمعات وتماسكها ايضا في الحاضر والمستقبل.

صحيح أنه توجد دوما جهات وتنظيمات، تعيش وتنمو فقط في مناخ التوتر، وفي ظل العنف والمواجهات المسلحة التي يشكل المدنيون وقودها اليومي، ولكن الصحيح أيضا هو أن الرهان يكون على دور القيادات المسؤولة وعلى العقلاء والمخلصين لحاضر ومستقبل تلك الدول والمجتمعات لاحتواء المواجهات وأعمال العنف المتزايدة وإعادة توجيه الاوضاع نحو مناخ يساعد على الحوار والبحث عن حلول تعيد لتلك الدول والمجتمعات استقرارها وتضعها على طريق البناء والنمو وهو ما تحتاجه أكثر من أي شيء آخر.