ماذا تعني نتائج الانتخابات في الهند، في اكبر ديمقراطية في العالم، 714 مليون ناخب وفي احد الأقطاب الدولية الصاعدة وفي منطقة مليئة بالتوترات والنزاعات.انتصار حزب المؤتمر والائتلاف الذي يقوده، وحزب المؤتمر للتذكير هو أقدم حزب سياسي في الحزب تأسس عام 1885 وقد ارتبط تاريخه باستقلال البلاد عام 1947 وبأسماء كبار زعمائها نهرو وغاندي.

بداية جاء هذا الانتصار ليوقف الزحف السياسي للحزب القومي الهندوسي الذي عبر صعوده من جهة وجاء ليكرس من جهة أخرى صعود مختلف الأصوليات الدينية والاثنية في مجتمع متنوع على كافة الأصعدة الدينية والاثنية والاجتماعية.

مجتمع شهد في السنوات الأخيرة صدامات فكرية وسياسية وحتى عنفية بين مختلف مكوناته وتحديدا بين أطراف متطرفة ضمن هذه المكونات.وأرست هذه الصراعات الواعدة بالتطور والتصعيد مشهدا من التوتر الذي عرض اكبر ديمقراطية في العالم والتي كانت نموذجا للتنوع لمخاطر الحروب الأهلية التي قد تفجر هذا البلد وتضمه إلى لائحة من الجيران مثل أفغانستان وباكستان، وقد تحوله فيما لو استمر هذا السياق المتطرف، كون التطرف يخلق التطرف المضاد، إلى دولة فاشلة والى مصدر توتر وانعدام استقرار في المحيط الآسيوي.

انتصار حزب المؤتمر هو انتصار للسياسة غير الطائفية وللتقاليد العلمانية في الهند ضد صعود لعبة صدام الهويات الخائفة والمخيفة، الجريحة والثائرة، والتي كانت تبحث عن الطمأنة بالنسبة للبعض أو الهيمنة بالنسبة للبعض الآخر على حساب الدولة الواحدة ولو تحت عنوان الحفاظ على الدولة الواحدة.

تخوف الكثيرون من أن تصاعد الأصوليات على حدود الهند وفي داخلها ومن أن أحداث بومباي في تشرين الثاني /نوفمبر الماضي ستكون كفيلة بتعزيز منطق التطرف، لكن ثقل التراث السياسي الديمقراطي والعلماني الهندي استطاع أن ينتصر.وفي السياق ذاته ينتصر ضد مدرسة تحذر دائما من مخاطر الفوضى الديمقراطية أو الفوضى باسم الديمقراطية وتدعو لتبني نموذج من السلطوية الجديدة تقول انه يصلح للدول النامية حتى تلك المتقدمة بينها في المراحل الانتقالية ذات الزمن المفتوح دائما، وتستشهد في هذا الأمر بنموذج الجار والخصم اللدود الصين الشعبية.

هذا الانتصار كان شرطا ضروريا لوقف الانهيار وقد شاركت فيه نسبة مرتفعة وصلت إلى 60% من الناخبين وهذا مؤشر ايجابي إضافي حول الانتصار، لكنه ليس بالشرط الكافي لمعالجة التحديات القديمة والمتجددة سواء في الداخل الهندي أو في المحيط المباشر للهند: من عناوين هذه التحديات الداخلية ازدياد وانتشار الفقر ومعه الإجرام والعنف الاجتماعي والعنصرية وكلها عناصر تضخ راديكالية في بيئة لا تمتلك المناعة الكافية ضد راديكاليات قد يعبر عنها في الصدام بين المكونات المختلفة للهوية الهندية.

ويرى عدد غير قليل من الاقتصاديين انه لا يكفي أن تفتخر الهند بالقول أنها في العالم النامي تشكل نموذج «المكتب» أو التكنولوجيا المتقدمة وبالتالي التخصص العلمي مقابل صورة «المصنع» وبالتالي سلسلة الإنتاج اليدوي التي تمثلها الصين الشعبية.فالصين الشعبية نجحت مقارنة مع الهند في سباق نسبة النمو وفي معالجة البطالة وصار على الهند أن لا تكتفي بدور «المكتب» أو الاختصاص في التكنولوجيا بل أن تتحول أيضا لمعالجة مشكلة قابلة للانفجار، إذا تذكرنا أن نصف السكان تقريبا هم دون الـ 25 من العمر، أن تتحول الهند إلى المصنع، إلى جانب «المكتب»، الذي يسمح بتشغيل أبناء المناطق الزراعية وغير النامية والمهمشة بشكل خاص لمعالجة مشكلة البطالة.

وعلى الصعيد الخارجي بقدر ما أن التاريخ والاجتماع والجغرافيا السياسية والذاكرة الشعبية عناصر جعلت من الصراع الهندي الباكستاني بمثابة سمة طبيعية في سياسات المنطقة وسمة حاكمة في التنافس بين القوتين النوويتين إلا أن المخاطر التي تتعرض لها باكستان حاليا والتي فيما لو أدت إلى أفغنة باكستان فان تداعيات هذا الأمر ستطال الهند دون شك، ذلك يجب أن يدفع الهند لاعتماد مقاربة مختلفة مع باكستان وللتعاون معها فيما يتعلق بالملف الأفغاني، حتى لا تبقى أفغانستان مجرد ورقة تنافس بين الهند وباكستان تؤدي إلى غرق الجميع في بحر من الصراعات التي لا تعرف نهايتها.

وعلى صعيد الجار الآخر من الطبيعي التذكير بوجود معطيات جديدة تحكم العلاقات الهندية الصينية، علاقات التنافس القديمة، فالهند اليوم ترتبط بعلاقات إستراتيجية خاصة مع الولايات المتحدة والعلاقات الأمريكية الصينية لم يعد يحكمها المنطق الإيديولوجي ولا الصراع الاستراتيجي التقليدي وقد انطلقت الصين من دور القوة الإقليمية التي ركزت عليه في البداية إلى دور القوة الدولية.الدور الذي نرى أثاره في أميركا اللاتينية وفي إفريقيا وتفوقت على الهند اقتصاديا في السباق بينهما.هذه العناصر مجتمعة مليئة بالتحديات لكنها مليئة أيضا بالفرص لصياغة علاقات هندية صينية مختلفة، وهذه ليست بالطبع من مسؤولية الهند وحدها لكن الهند لها مصلحة أساسية في ذلك.

أمام هذه التحديات الخارجية والداخلية وهي دون شك تحديات تؤثر بعضها بالبعض الآخر وفي وضع دولي يتسم بالسيولة وبتكريس موقع قطب دولي جديد في نادي الأقطاب، خارج الغرب هذه المرة، لكل من الصين الشعبية والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا والاتجاه نحو تكريس نظام متعدد الأقطاب ذات تركيبة معقدة صار على الهند كما بالطبع على تلك الأقطاب بلورة مقاربات جديدة تستند إلى رؤية متجددة ومختلفة للعلاقات الدولية ولكن بالطبع على هذه الأقطاب للقيام بدورها الدولي، قبل أي شيء، أن ترتكز على قاعدة مادية واجتماعية داخلية صلبة، هذه هي بعض التحديات أمام حزب الهند وحزب الاستقلال العائد بقوة إلى السلطة.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr