تكلمنا بالأمس عن «موسم الانتخابات» وما يصاحبها من تدخلات خارجية وألاعيب داخلية وتوترات سياسية وفبركات إعلامية، وربما أشرنا سريعا إلى الفارق بين العملية الانتخابية والعملية الديمقراطية، وهنا قد يلزم شيء من التفصيل.

إذ يثبت في كل التجارب أن الانتخابات جزء والديمقراطية كل، والحرية شكل والديمقراطية مضمون، وكلها أشكال ووسائل وآليات لإعلاء إرادة الشعب على كل سلطة، باعتباره مصدر كل السلطات، وإذا كانت العملية الانتخابية كآلية لاختيار النواب والرؤساء، هي جزء من العملية الديمقراطية كآلية لتمكين الشعب من المشاركة السياسية، فإن الانتخابات وحدها ليست دليلا على الديمقراطية. فمثلما توجد ديمقراطية شكلية بحرية سياسية بغير عدالة اقتصادية أو اجتماعية، وديمقراطية حقيقية، توجد أيضا انتخابات سليمة وانتخابات شكلية حينما لا ترتبط فيها حرية رغيف الخبز بحرية التصويت.

كما تجري الانتخابات في النظم الديمقراطية والدكتاتورية على السواء مع الفارق، وإذا كان صحيحا أن لا ديمقراطية بلا حرية، غير أن الحرية وحدها لا تشكل دليلا على الديمقراطية الحقيقية!

مع ذلك، تبقى للديمقراطية أشكالها التي تدل عليها من احترام حق الوصول للسلطة بإرادة الناس وفقا للآليات الديمقراطية، ومن حرية تداول السلطة وفقا للقواعد الدستورية، وتحديد الفصل والتوازن بين السلطات الثلاث، وتأكيده سيادة القانون مع إعلاء الإرادة الشعبية بكل وسائل ومؤسسات ونقابات وجمعيات المجتمع على كل السلطات، وكفالة حرية التعبير مع مسؤولية هذا التعبير عن كل ما يضير الفرد أو المجتمع.

وأهم عنصر في ذلك كله هو وضع التشريعات والقواعد والآليات والضمانات لإجراء انتخابات أو استفتاءات نزيهة بآليات محايدة بمشاركة كل القوى السياسية أيا كانت مرجعياتها الفكرية. ومع ذلك فإن الديمقراطية التقليدية ذاتها ليست الوسيلة الوحيدة لإعلاء الإرادة الشعبية، وليست الوسيلة الوحيدة للتقدم.

فهناك شعوب تراها وسيلة وأخرى تعتبرها غاية، وبينما هناك شعوب حققت تقدمها بالديمقراطية الرأسمالية كأميركا مثلا، فهناك شعوب حققت تقدمها بالديمقراطية الاشتراكية كالصين، ومع كونها واحدة المفهوم لكنها مختلفة ومتنوعة التطبيقات والقوانين والإجراءات، وأبسط مثال هو الفوارق حتى في المفهوم بين أشكال الديمقراطية الغربية، وتجارب الديمقراطية العربية.

إذ تختلف الديمقراطية في العالم سواء في المفاهيم أو التطبيقات باختلاف الخصوصيات والقيم الثقافية، والمرجعيات الأخلاقية.

كما تعددت التطبيقات المتعددة بتعدد التوازنات الطبقية، والعلاقات الاقتصادية والواقع الاجتماعي لكل شعب من الشعوب بما أنتج عشرات من قوانين الانتخاب، وعشرات الدساتير التي تحدد شكل مؤسسات الحكم، وطريقة انتقال السلطة التنفيذية، ومدى سلطات الحاكم ومدى مسؤولياته في المقابل.

وأكثر من عشرات الأشكال من القوانين المنظمة لصلاحيات (السلطة التشريعية) في الرقابة على (السلطة التنفيذية) أو المحددة لضمانات استقلال ونزاهة (السلطة القضائية) وأكثر منها تلك المطلقة أو المقيدة لحرية الصحافة أو (السلطة الرابعة)، بينما هي في الواقع قوة تأثير في الرأي العام وليست سلطة. وفي العالم العربي، تختلف الدول في البعد أو القرب من الديمقراطية كما عرفناها أو كما نريدها كشعوب.

وفي القبول بها كآلية أو كمرجعية، أو في الرفض لها والاستعاضة عنها بنظم أخرى تتوافق مع قيمها الثقافية أو تركيباتها الاجتماعية لتحقيق نفس الأهداف، أو بالوقوع تحت نظم استبدادية لا تحترم الشورى ولا الديمقراطية ولا تأبه بالإرادة الشعبية، وتقبض على السلطة بالقوانين العسكرية والأمنية، لا بالوسائل الدستورية والسياسية.

وفي حمم الانتخابات الديمقراطية واللاديمقراطية، هناك من لا يهمهم أن تكون الوسائل رخيصة أو نظيفة!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com