لدينا سوق مفتوحة، واقتصاد حر، لكن لا يعني ذلك فقدان الرقابة أو الاستهانة بالمستهلك عندما نجد مئات، إن لم يكن آلاف السلع مغشوشة وخطيرة على الصحة العامة، ومن بينها مواد غذائية، وألعاب أطفال وأجهزة كهربائية تسببت في العديد من الحرائق والتكاليف الباهظة، هذا عدا التزييف عن المنشأ والمصدر، وعلى الأخص في الملابس والعطور، وأدوات الزينة النسائية من "مكاييج" ودهون ومراهم وغيرها، وكما أن الدول تحرص على الكشف ، في المداخل والمطارات والموانئ ، عن كل سلعة واردة، وملاحقة المزيفين والغشاشين، فإننا حتى الآن لا نشهد عقوبات صارمة، بل إجراءات روتينية، بغلق محل، أو غرامة لا تذكر، لتعود العجلة بنفس الدوران، وعلى حساب صحة المواطن وحياته..
أخطر من كل هذا ما قيل وكُتب وعقدت له الندوات من الاختصاصيين أننا سوق رائجة لأدوية مغشوشة من مصادر مختلفة، وطالما في شريعتنا السمحة، القاتل يقتل، والسارق تقطع يده، والجروح قصاص، فهل يمكن مداراة أو إهمال تدفق الأدوية سواء من شركات وهمية، أو معروفة لنكون ميداناً وسوقاً لأخطر أدوات القتل العمد، لتضيع المسؤولية بين وزارة الصحة والتجارة، والمواصفات والمقاييس، وهيئة الغذاء والدواء ؟ وقد تكون الشكوى قلة المراقبين من الاختصاصيين وهي التي تتكرر مع البلديات والجمارك، والتجارة، بمعنى أن هذه الوظائف شحيحة ونادرة وهو أمرٌ يمكن معالجته باعتماد وظائف تقتضيها المصلحة أولاً وأخيراً، ومع هذا لا يمكن إعفاء الدوائر المسؤولة عن المخاطر التي يتعرض لها كل إنسان..
فنحن بلدٌ، حتى لو وصلت نسبة الوعي فيه ثمانين في المائة، فليس كل إنسان لديه مختبر، أو قدرة إبصار لفحص الرديء من الجيد لأن كل وظيفة لها اختصاصها وإلا هل بالإمكان تكليف طبيب، أو صيدلي بإصلاح سيارة أو طائرة، أو الطلب من أديب وضع خرائط للمدن والمنازل؟ وبالتالي إذا كان التوسع بانتشار الصيدليات هدفه خدمة المواطن، فهل يجب أن تكون أداة موت أو مرض لتفقد أساسيات أغراضها وأهدافها؟
المشكل هنا أننا نستطيع كشف مطعم يقدم وجبات مسمومة بسرعة التفاعل لكن كيف نكتشف دواءً أضراره طويلة وغير مفهومة؟ ثم هل تختلف هذه الممارسات عن مروجي الكحوليات والمخدرات، ومن يسرفون باستعمال المبيدات في الفواكه والخضروات؟
هناك شركات إنتاج ووكلاء تصريف، وهناك دول تراقب وتفحص، ومع ذلك فقابلية تسريب الأدوية المغشوشة بالطرق المختلفة معروفة، وما دام الكسب غاية في ذاته فالرادع الأخلاقي قد يتوفر للبعض، ولا يهتم أو يراعيه آخرون، وأمام هذا المأزق هل تصل الجزاءات إلى القتل إذا ما تأكدت الجهات المسؤولة من خطورة أي دواء، وهل لدينا التشريعات التي تفرض ذلك حماية لحياتنا ومستقبل أجيالنا؟
