كل التقدير والمحبة للكاتب العالمي المعروف ماركيز وتمنياتنا له بالشفاء من مرضه ومعاناته، بالطبع لا أحد لم يسمع بروايته (الحب في زمن الكوليرا) والتي بها قدرا كبيرا من السحر والخيال يوازي ما فيها من الألم والواقعية هي رواية حب بكل معنى الكلمة أحداثا خيالية حقيقية حدثت في 1708م، لكنها عن الحب في كل زمان ومكان، الرواية توصلك إلى قناعة راسخة بأن الحب كم يشتد كثافة كلما يقترب من الموت أكثر وكأن هناك معاهدة سرية بين الاثنين.

روايات عديدة اختارت عناوين لأوبئة مثل رواية البير كامو بعنوان (الطاعون) والتي تتحدث حقيقة عن وباء الاحتلال الفرنسي للجزائر.

ولقد سمعنا عن أنفلونزا الإنسان ثم سمعنا عن أنفلونزا الطيور ثم الخيول وها نحن نسمع عن أنفلونزا الخنازير، ولقد مرت أوبئة حصدت الملايين من البشر مثل الملاريا والكوليرا والطاعون وقبل سنوات قليلة انتشر مرض سارس في الصين، وها نحن نعايش هذا الوباء الجديد الذي أصاب أكثر من عشرة آلاف شخص حتى اليوم 25 مايو 2009 بحسب منظمة الصحة العالمية، أوبئة تأتي وتروح على البشرية ويظل التدافع بين الموت والحياة يوميا.

الخوف الهستيري من الوباء غير منطقي وخاصة بالنسبة لمن يؤمنون بالقدر، لكن بالتأكيد الحذر واجب، البعض أطلق عليه أنفلونزا المكسيك لانطلاق حالات الإصابة الأولى بهذا الفيروس من تلك الدولة وبالطبع احتجت المكسيك على التسمية وفضلت تسميته بأنفلونزا الخنازير، أسبابه حتى الآن مجهولة والمسبب الحقيقي هو فيروس ينتمي إلى فئة اورثوميكسوفيرايدي، ومن أهم أسباب انتشار الوباء السريع هو التزاحم والكثافة السكانية.

وبالطبع جاءت أساليب الوقاية متباينة ومختلفة من بلد إلى آخر، ففي الوقت الذي قامت فيه مصر بإبادة الخنازير كلها دون السؤال عن رأي جمعيات الرفق بالحيوان، ودون الاكتراث بهجوم بريجيت باردو بوصفها من أكبر داعمي هذه الجمعيات، أو حتى دون الاهتمام بأصحاب وملاك مزارع الخنازير المصرية الذين تضرروا كثيرا جراء هذا القرار، فهل تفتقت العبقرية لتجد الحل السحري للحد من هذا المرض بقتل هذا الحيوان؟ وهل التعويضات لأصحابها كانت بشكل مرضي لهم؟

أنفلونزا الخنازير هي مرض يصيب الجهاز التنفسي، ومن أهم أعراضه ارتفاع مفاجئ في الحرارة والسعال مع ألم في العضلات والشعور بالإجهاد يصاحبه إسهال وقيئ وشعور بالنعاس وانعدام الشهية مع احتقان وسيلان الأنف.

وتاريخيا تفشى فيروس الأنفلونزا الاسبانية عام 1918 وقتل مائة مليون شخص، ثم انتشر مرة ثانية في عام 1957 وقتل مليوني شخص،وفي عام 1968 ظهر وباء أنفلونزا هونغ كونغ وقتل مليون شخص، وانتشر الوباء في أمريكا عام 1976 ثم عام 1988 وحصد الكثير من الضحايا، وكذلك انتشر فيروس الفلبين في 2007، وحاليا تقول منظمة الصحة العالمية بأن الانتشار السريع والواسع للوباء يماثل في خطورته وباء عام 1957 .

وليس بخطورة الفيروس المسئول عن وباء 1918 وتحذر المنظمة بأن من المحتمل أن يصيب الفيروس ثلث سكان الكرة الأرضية، وهاهو قد وصل إلينا حيث أعلنت الكويت عن أول إصابة لديها في الخليج، تلتها الإمارات ثم البحرين التي أعلنت عن أول إصابة في 26 مايو 2009، وبالطبع نشكر الجهات المعنية (الصحة والداخلية وغيرها) لاتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لمنع انتشار المرض.

ولقد ظهرت بعض الدعوات لإلغاء موسم الحج، والتي لا نتفق معها أبدا، فبدلا من وضع الحلول المناسبة وأساليب الوقاية من المرض نمنع فريضة دينية ونؤثر سلبا على اقتصاد المملكة العربية السعودية، إن ما قامت به المكسيك من إغلاق للمطاعم والمنتجعات السياحية وتوقف الحياة فيها كبدها خسائر ببليارات الدولارات، ونعتقد بأنه خطأ جسيم، لأنها لم تواجه المرض بأسلوب صحيح، فلماذا نكرر الخطأ نفسه؟ يمكننا تشديد أساليب الوقاية والفحص الدقيق لكل حاج، وتحويل الحالات المحتملة إلى الحجر الصحي وإعادة المصابين إلى بلدانهم، أما وقف موسم الحج، أو تأجيله، فهذا ليس بالأمر الطبيعي.

ويقال أن لقاح الخنازير يحتاج إلى ما بين ستة أشهر وسنتين لكي يجهز! وبالطبع حتى في المرض تفرقة طبقية، لأنه يطحن الفقراء أولا، فالدول الغنية المتقدمة تستطيع التوصل إلى تصنيع لقاح ضد هذا المرض في خلال ستة أشهر، أما الدول الفقيرة فهي تحتاج سنتين أو أكثر، وبما أن القدرة الشرائية لدى الدول الغنية أعلى فلقد استطاعت احتكار المصل الرئيسي المقاوم للمرض ولديها من الأجهزة الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة التي تمكنها من إنتاج اللقاح بشكل أسرع من الدول الفقيرة.

كما يشاع في الكثير من المواقع الالكترونية وعلى ضوء تصريحات أطباء من مختلف الدول الأجنبية بأن أجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية تعمدت نشر الفيروس عن طريق الأسلحة البيولوجية لأغراض مادية بحتة! ولا نعلم مدى صحة ما يشاع.

المهم من كل ذاك وذا هو قول الشاعر: من لم يمت بالسيف مات بغيره، ونحن والحمد لله لدينا أسباب كثيرة ومتعددة للموت (فقط للدعابة)، وعلى المرء ألا يصاب بالهلع لمجرد ذكر اسم وباء سيأتي ويزول حتما.

كاتبة بحرينية

aanneessa@yahoo.com