ليس من الوطنية ولا من العروبة ولا من الإسلام في شيء، هذا الحال المؤلم من الانقسام السياسي الحاد بين بعض القيادات وطنياً أو عربياً، والاقتتال الدامي الذي يشعله رموز الحروب الأهلية، والتناحر غير السامي بين بعض الساسة لإقصاء الآخر بتزييف الديمقراطية، والصراع المذموم على الاستئثار أو الاستيلاء على السلطة الوطنية، والانقلاب على الثوابت القومية، والتنافس المحموم على الزعامة الإقليمية، في الواقع الوطني والعربي والإسلامي.
بل في إعلاء المبادئ على المصالح، والتحرر من الارتهانات الأجنبية المعادية للوحدة الوطنية والعربية، وتحرير الإرادة الوطنية والعربية من التحالفات غير العربية وغير الإسلامية، وتقديم مصالح الأمة فوق مصلحة الوطن، وإعلاء المصالح الوطنية على المصالح الحزبية، والسعي للمصالحة الوطنية بين القوى الوطنية المختلفة، والعمل على تحقيق الشراكة الشعبية للحكم عبر انتخابات نظيفة، واحترام إرادة الشعوب وحدها باعتبارها الشرعية الحقيقية ومصدر التعليمات الوحيد.
غير أن الانتخابات في العادة بالأزمات، خروجاً من بعض الأزمات أو دخولاً إلى بعض الأزمات، وبينما تدخل المنطقة إلى ما يمكن تسميته بـ «موسم الانتخابات» في أكثر من بلد عربي أو إسلامي كلبنان والعراق وإيران وموريتانيا والسودان واليمن وفلسطين يحيط بها من أزمات بل ومؤامرات وتدخلات خارجية سافرة أو بأدوات داخلية غير مستترة، تحاول التأثير في نتائجها لصالح هذا المشروع أو ذاك.
الانتخابات عادة ما تصاحبها الأزمات، قبلها، بصراع بين القوى المختلفة على قانون الانتخاب وكلما اقترب موعدها علت المعارك الإعلامية والمساجلات السياسية والشائعات والتلفيقات الشخصية، وخلالها يلعب المال السياسي والعنف السياسي دوره للتأثير على الناخبين، وبعدها، اتهامات بالتزوير واعتراضات وربما اشتباكات ومصادمات، إلا ما ندر، إما بالاقتناع بسلامة النتائج في ظل انتخابات مقبولة، أو بالإقناع ولو بالقمع بعد انتخابات لامعقولة.
وبينما تبدو الانتخابات المقبلة في موريتانيا مثلاً مخرجاً من الأزمة السياسية التي تلت الانقلاب العسكري خروجاً من أزمة الانسداد الديمقراطي بين البرلمان والرئاسة، نجد «التكتلات الديمقراطية» للأقلية تعترض على إجراء الانتخابات، رغم السماح بحرية تكوين الأحزاب وإصدار الصحف بالإخطار، وهي التي لم يعطل فيها الدستور ولم يحل البرلمان بعد الانقلاب، بل وبعد استقالة قادة الانقلاب!
تبدو الانتخابات في لبنان واليمن والسودان دخولاً إلى الأزمات بما يصاحبها من ألاعيب خارجية مكشوفة بأدوات داخلية مكشوفة أيضاً، إما بمحاولة قطع الطريق على الانتخابات خوفاً من نتائجها، وإما بزرع الفتن ومحاولة شق الصف الوطني بالفوضى وترويج الإشاعات والاتهامات والفبركات الإعلامية، لإقصاء فريق أو لتقوية آخر وفق أجندتهم، وفي حمم الانتخابات لا يهم البعض أن تكون الوسائل قذرة أو نظيفة!!
وربما أصبح هناك معيار واضح لدى الرأي العام العربي للحكم على مدى التزام الساسة بمسؤوليات السياسة، ومدى عروبة الساسة قبل قطرية السياسة، ومدى وطنية الساسة قبل حزبية السياسة، هذا المعيار هو الموقف من مسألة الوحدة الوطنية، ومن العدالة الاجتماعية، ومن المشاركة الشعبية عبر عملية انتخابية سليمة وصولاً إلى ديمقراطية سليمة.
وبهذا المعيار أصبح ممكناً للرأي العام العربي والإسلامي أن يحدد من يقف معها ومن يقف ضدها، من يعمل لتحقيق إرادتها ومن يعمل لتحقيق إرادة أعدائها، ومن يسعى لتحقيق مصالحها ومن يسعى لتحقيق مصالحه الذاتية أو الحزبية الضيقة ولو بربط مصالحه بمصالح أعدائها، ولو على حساب مبادئ ومصالح الشعب والوطن والأمة.
كاتب مصري