فارق كبير بين تفجير الصين الشعبية لقنبلتها النووية، وبين كوريا الشمالية، فالأولى كانت في حالة تهديد لم تخْفها دول حلف الأطلسي، ولا الاتحاد السوفياتي اللذان كانا قد يتغاضيان عن أي ضربة نووية لها، لذلك عندما امتلكت هذا السلاح حيّدت القوى الأخرى، وكانت الضرورات الاستراتيجية هي التي تحكم موقفها وتصرفاتها..
كوريا الشمالية على العكس، فهي لا تعيش نفس الحالة الصينية، لأن جارتها الشقيقة كوريا الجنوبية بلد مزدهر اقتصادياً، وتحت المظلة العسكرية الأمريكية، التي فرضتها ظروف حرب الكوريتين، وهو من الأسباب في جعلها أحد أهم مراكز الصناعة والتجارة في آسيا وفي العالم، ولعل خلاف النموذجين، والسياستين بين الجارتين العدوتين أن الشمالية فضلت أن تقفز بقوتها على حساب بؤس شعبها، وهو ما أضاع الاتحاد السوفياتي، وغيره من خلال هذه الخطط بما فيها دول أوروبا الشرقية التي غرقت في هذه الأوهام..
النزاع القائم بين مجلس الأمن وكوريا الشمالية أنها بدأت بسياسة التحدي التي رافقها الانسحاب من المعاهدة مع الجنوب، والرغبة في فرض شروط باسم القوة معتمدة على تأييد الصين وروسيا، وكلتا الدولتين لها مصالح تزن بها علاقاتها مع أي دولة..
فكوريا الجنوبية وأمريكا والغرب أهم ، من ناحية الاستثمارات والتجارة ، للصين من حليفتها الشمالية، وإن ظلت مهمة في استراتيجيتها الأمنية، غير أن التهور في إعلان تجارب نووية وإطلاق الصواريخ ، وتهديد الجارة المحسوبة على تحالف الغرب واليابان، أدت إلى إدانة هذا التصرف ووصفه بالحماقة، وحتى روسيا التي لا تزال تعيش على صورة الدول الحليفة أيام الاتحاد السوفياتي ترفض مثل هذا التصرف لدرجة المناداة في مجلس الأمن بفرض أقصى العقوبات، وليس في هذا متغير في المواقف، وإنما لا تريد أن تضع نفسها في حلقة صراع عالمي من أجل دولة ينعدم فيها تأمين الضرورات الأساسية لشعبها واتباع السياسة (الماوية) التي كان يعلن شعاراتها ماوتسي تونغ بما يشبه الحرب على كل قوى الإمبريالية والتحريضيين مثل الاتحاد السوفياتي.
أزمنة المقارعة بالأسلحة أمام قوى هائلة مثل اليابان وأمريكا والمنظومة الأوروبية لا يمكن أن تعطي لكوريا الشمالية فرصة أن تفرض على العالم، من خلال مصادر سلاحها، تفويضاً كاملاً بأن تكون العابث بالأمن العالمي، أو مقايضة بشروط لا يتسع لها الواقع الراهن..
مشكلة دول العالم الثالث أن الرصاصة قبل لقمة العيش، وقد كانت الحرب الباردة خير عنوان يعلق على واجهات تلك الدول عندما فشل السلاح وتقهقرت التنمية وأصبحت الشعوب رهن الجوع وإرهاب الحكومات وتعسفها، وبسقوط هذه المعادلة أصبحت القوى الكبرى أكثر تضافراً وتعاوناً أمام انفلات أمني يستدعي إيقافه بالوسائل التي قد تقلب كل المعادلات مع الدول المتهورة..
