انتشرت في الآونة الأخيرة جرائم النصب والاحتيال المرتبطة بعمليات توالد النقود وإكثارها. ويلقى هذا النوع من الجرائم رواجا هائلا بين العديد من الطامعين في زيادة أموالهم وتكاثرها.

لا يتم الاحتيال من المرة الأولى، فمن الضروري جذب الضحية بمبالغ بسيطة أولا ثم الإيقاع به من خلال مبالغ كبيرة لا يُعثر بعدها على النصاب الذي يختفي بالأموال مستغلا طمع الضحية وسذاجته. فهناك إغراءات يتم التلويح بها في وجه الضحية من أجل جذبه والإيقاع به مثلها في ذلك مثل الشرك الذي يجذب الفريسة ويُوقع بها.

ورغم غرابة مسألة توالد النقود وعبثيتها إلا أن المسألة بالتأكيد تفتح شهية الطامعين، كما تفتح شهية النصابين أيضا. كما أن هذا النوع من الجرائم يثير الاستياء أيضا مما وصل إليه حال بعض السذج في مجتمعاتنا العربية.

فجرائم النصب والاحتيال معروفة ومنتشرة في كل المجتمعات، ولن تنتهي، لكن اللافت للنظر أن يصل مستوى النصب والاحتيال إلى حد أن يقنع شخص ما شخصا آخر بإمكانية توالد النقود وزيادتها.

وتزداد الخطورة حينما يقبل البعض هذه المسألة ويأمل من ورائها في زيادة أمواله وتحسين ظروفه المادية. فالجريمة متبادلة بين طرفي عملية النصب، فالنصاب لا يهمه سوى الاستيلاء على أموال الضحية كما أن الضحية لا يعنيه من أين أتت الأموال ولا الكيفية التي تكاثرت وتوالدت بها.

يثير هذا النوع من الجرائم العديد من التساؤلات والتفسيرات. فالملاحظ أن أغلب ضحايا هذا النوع من الجرائم هم من أبناء الطبقات الوسطى المتعلمة، وهو ما يفسر المبالغ الكبيرة التي يراهنون على توالدها وازديادها. فهم ليسوا من الفقراء الذين يفضلون الإنجاب الفعلي الحقيقي على إنجاب النقود التي لا يمتلكونها أصلا.

ويرتبط ذلك بمسألة أخرى تتعلق بقيم هذه الطبقة التي أصبحت تستسهل الحصول على المال بغض النظر عن كيفية الحصول عليه والطرق المستخدمة في ذلك. كما يلاحظ أيضا مدى الاهتراء الذي أصاب الطبقة الوسطى في عالمنا العربي وجعلها تقبل بمثل هذه التخاريف والترهات التي يستطيع النصابون والمحتالون من خلالها الضحك بها عليهم والاستيلاء على أموالهم.

كما أن هذا النوع من الجرائم يكشف عن مدى حرفية النصابين وقدراتهم على إقناع الضحايا بإمكانية توالد النقود وتكاثرها. فالمسألة لا تتعلق بشراء سيارة أو منزل بل بمسألة عبثية تتعلق بتوالد النقود وتكاثرها. يمكن للمرء أن يتخيل نفسه منصوبا عليه في سيارة أو منزل أو أي شيئ آخر لكن أن يتخيل أن ينصب عليه شخص بخصوص مسألة تتعلق بتوالد الأموال فمسألة تدعو للاستغراب والدهشة.

يحتاج هذا النوع من الجرائم إلى المزيد من الدراسات نظرا لازدياده بشكل كبير في الآونة الأخيرة مرتبطا بتبعات الأزمة الاقتصادية الراهنة والرغبة في المكسب السريع.

وهو يحتاج لدراسة الطرفين النصاب والضحية للتعرف على الظروف العبثية التي دفعت الطرف الأول لحبك جريمته بمثل هذا الشكل وأدت بالطرف الثاني إلى وقوعه في حبائل النصاب وقبوله لما يرفضه العقل والمنطق.

كما أن هذا النوع من الجرائم يدفعنا لإعادة النظر كلية في أناط التفكير السائدة في مجتمعاتنا التي تسير تماما ضد التفسير المنطقي للأشياء والممارسات اليومية. فمن الواضح أن سيادة هذا النوع من الجرائم لا ينفصل عن سيادة وانتشار أنماط التفكير الغيبية التي تهيمن على كافة أرجاء حياتنا وتجعلنا نقبل بالكثير من الوسطاء الذين يتدخلون في تفسير الكثير من ممارسات حياتنا اليومية ويكبحون انطلاق الفكر النقدي الواعي المتحرر من هيمنة الخطيئة ووهم الصلاح.

كما أنه لا يجب التعامل مع هذه النوعية من الجرائم بخفة واستهتار بل يجب التعامل معها بالدرجة نفسها من الجدية التي نتعامل بها مع أشكال الجرائم المختلفة الأخرى.

بل إنه من الضروري أن نولي هذه النوعية من الجرائم اهتماما أكبر بسبب خطورتها الناجمة عن تلك الهيمنة العقلية والنفسية التي يمارسها النصابون على ضحاياهم والتي لا تختلف في معانيها العميقة عن تلك الهيمنة التي يمارسها البعض عقليا وروحيا على الكثير من التابعين.

وفي هذا السياق لا تكفي المواجهة القانونية فقط للتعامل مع هذه النوعية من الجرائم بقدر ما يجب توسيع دائرة المواجهة ومسائلة الذات عن الكيفية التي تتوالد بها النقود، وهل تختلف ولادة الدولار عن ولادة اليورو، ولماذا تلد النقود ولا تبيض؟ وما هي الكيفية التي يتم بها تكاثرها؟

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com