إذا كنت ممن أقام سابقاً في العاصمة الأميركية، واشنطن، سترى بوضوح، عند زيارتها هذه الأيام، أن أميركا تعيش اليوم عصرا جديدا هو «عصر باراك أوباما». أميركا تتغير.
والمجتمع الأميركي بطبيعته الحية والمتجددة يجدد ذاته. اليوم، لا تكاد تخلو طاولة في أي مطعم أو مقهى في العاصمة الأميركية من الحديث السياسي ومن اسم أوباما. نقد لاذع للإدارة السابقة.
تفاؤل صريح بالإدارة الجديدة. إجماع، في أغلب الدوائر التي زرت هنا في واشنطن، على أن التغيير هو عنوان المرحلة الراهنة. ومشروع التغيير الذي قاده باراك أوباما منذ أطلق شعار حملته الانتخابية، «نعم: نستطيع»، ليس فقط حاجة سياسية لأميركا تتطلبها ظروف المتغيرات العالمية ولكنه أيضا منسجم مع ما يمر به المجتمع الأميركي نفسه - بأشكال مختلفة ـ من التغيير والتجديد ونقد الذات. التركيبة السكانية مختلفة عن عشر سنوات مضت.
اللغة الإسبانية تزاحم اليوم اللغة الإنجليزية في أغلب الأماكن التي مررت بها خلال زيارتي الراهنة لأميركا. ألوان الناس وأشكالها ولهجاتها متنوعة لكنها متناغمة في تعاملاتها اليومية وكأن باراك أوباما شكل «رمزا» مختلفا لتوحيد أميركا في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
في التسعينات من القرن الماضي، عشت ست سنوات في هذه المدينة التي تصنع في دهاليزها كثير من القرارات العالمية المهمة. آنذاك، قليلاً ما مر يوما من دون السؤال: من أين أنت؟
وفي زيارتي الحالية لواشنطن وعلى مدى أسبوع كامل لم يسألني أحد من أين قدمت أو من أي البلاد تعود أصولي. الأزمة الاقتصادية الراهنة والتفاؤل بعصر أوباما الذي للتو بدأ يكاد يوحد «الهم» الأميركي وكأن المجتمع الأميركي في معظمه يعيش اليوم تحديا مع ذاته كي يثبت لنفسه وغيره أن أميركا تستطيع أن تنهض من جديد وتستطيع الخروج من «وحل» أزمات الإدارة السابقة. كل المؤشرات تدعو للتفاؤل. وأغلب حطابات أوباما، حتى اليوم، مبشرة. لكن شهر العسل يكاد ينقضي.
وقت المواجهة الصعبة مع الواقع، بكل أبعاده وقضاياه، محلياً وعالمياً على وشك أن يبدأ. ما أسهل من إعطاء الوعود عبر خطاب مناسباتي أو مقابلة تلفزيونية. لكن ترجمة الوعود إلى برنامج عمل على الأرض هي المحك وهي الامتحان الحقيقي لصدق النوايا ونجاح الخطط.
تسألني شخصية مهمة في الفريق الاستشاري لباراك أوباما عن «انطباعاتي» عن الإدارة الأميركية الراهنة وأجيب بلغة متفائلة بوعود أوباما وما يرمز له اليوم من «وعد» للتغيير والإنجاز.
لم لا والرئيس الأميركي الجديد منذ خطاب التنصيب يمد يده للعرب والمسلمين ويستبدل اللغة العنجهية الفوقية تجاه العرب والمسلمين بلغة تعبر عن تواضعه واحترامه وحرصه أن يعم السلام لمنطقة لم تنعم بأي سلام منذ عقود. لكن الحفلة على وشك أن تختتم آخر فصولها وغدا يوم جديد.
بعض من التقيت بهم في واشنطن يخشون من أن يتخلف العرب عن استثمار واحدة من أفضل الفرص أمامهم. هنا من يرى أن كلام أوباما بشأن الانفتاح الإيجابي على العالمين العربي والإسلامي ليس من أجواء «شهر العسل» الذي تعيشه أميركا اليوم.
إنها قناعة لدى الإدارة الجديدة وفهم جديد فرضته ظروف كثيرة لعل من أبرزها الإخفاقات الأميركية في التعامل مع العرب والمسلمين خاصة في ظل الإدارة السابقة. إنهم يضربون مثالاً بتعامل باراك أوباما مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو خلال زيارته الأخيرة لواشنطن وإصراره على أن السلام مع الفلسطينيين أولوية على غير ما رغب فيه نتانياهو وفريقه.
قال لي صديق أميركي مقرب من دائرة صناعة القرار في الخارجية الأميركية أن باراك أوباما نفسه رئيس يقرأ بعمق ويفهم كيف يجب أن تتعامل إدارته مع القضايا الدولية ومن أهمها تحقيق سلام حقيقي بين العرب والإسرائيليين. قال إن الرئيس واع جداً للأسلوب الإسرائيلي في المماطلة وتأجيل المواضيع وإلقاء اللوم على الفلسطينيين.
لكن العرب اليوم معنيون، أكثر من أي وقت مضى، أن يبادلوا المواقف الإيجابية لباراك أوباما بالمثل قبل أن ينجح نتانياهو ومؤيدوه في واشنطن في إقناع الإدارة الجديدة بأن العرب غير جديرين بالسلام والثقة!
في واشنطن اليوم ما يشبه الإجماع على أن باراك أوباما شخصية قوية ويعرف جيداً ما يريد. هناك كثيرون أساءوا التقدير والحكم على أوباما ففاجأهم بنجاحاته المتواصلة. ولعل أبرز من أساء تقييم أداء أوباما كانت منافسته اللدودة أيام الانتخابات، هيلاري كلينتون. فهل نحاول نحن في العالم العربي أن «نحسن الظن» هذه المرة في واشنطن ونقترب ـ بثقة وصراحة ووضوح ـ مع الإدارة الأميركية الحالية ونطرح مخاوفنا ورؤانا تجاه الصراع مع إسرائيل والمخاوف من الخطر الإيراني على طاولة النقاش؟
فريق الرئيس الأميركي منشغلون اليوم أيضاً بالخطاب الذي سيلقيه الرئيس في القاهرة في الرابع من الشهر المقبل. ما الجديد الذي سيقوله الرئيس للعرب والمسلمين؟ لقد مل «الشارع العربي» من الخطابات السياسية الكثيرة المنمقة والطويلة. فكثير من «الزعامات» العربية لم تقصر على مدى عقود في ضخ الوعود الكاذبة بالإصلاح والحد من الفساد وتحسين الأحوال.
وما نزل المطر ولم يرحل الغبار. وتحت وطأة المخاوف الكبيرة والكثيرة التي تحاصر العالم العربي اليوم، لم تعد «النوايا الطيبة» لدى الإدارة الأميركية الراهنة أو غيرها تكفي. وبعد قليل قد تصبح خطابات الرئيس الأميركي للعالمين العربي والإسلامي مجرد «كلام» طيب لا تسنده أفعال حقيقية على الأرض.
يسألني الصديق براين ريتش في واشنطن: لماذا أنت غير متحمس لخطاب أوباما في القاهرة بعد أيام؟ وأجيب، مستعيراً الجملة الشهيرة التي استخدمها الممثل الأميركي كوبا قودنق في فيلم «جيري مقواير» عام 1996: «أرني المال» show me the money !! لا بأس من تقدير خطوة أوباما وسعيه المتواصل لفتح صفحات جديدة من التفاهم مع العرب والمسلمين. ولكن من حقنا أن نسأل: ثم ماذا؟
كاتب سعودي