يمثل هذا المقال ختام مقالاتنا الماضية عن «حق» كحركة احتجاجية، وهي في هذا تحاول أن تقترب في عملها من الحركات الاحتجاجية المعروفة في المنطقة العربية.
وتبقى الحركة رغم ذلك لها خصوصيتها المحلية بل ان سمتها المذهبية قد لا تساعدها كثيرا على أن تكون حركة عبر مذهبية وعبر ثقافية وعبر طبقية وعبر سياسية. فهي في هذا لها انحيازاتها الأثنية والطبقية المعروفة.
وبشكل عام فإن قيادات الحركة تنحدر في الغالب من فئات اجتماعية محدودة أو متوسطة التعليم، كما أنها تنتمي طبقيا في قياداتها وفي قواعدها للفئات محدودة الدخل، هذه الفئات التي زادت عمليات وطفرات الصعود والتحول الاقتصادي من صعوباتها المعيشية بل عقدت كثيرا من مشكلاتها التكيفية.
كما أن ممارسات بعضا من الأفراد داخل المؤسسة الرسمية قد زادت من حالة التهميش التي تعيشها الأمر الذي يلقي بنفسه كثيرا على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.
وهي حالة قادت البعض منهم لحالة من العدمية الاجتماعية استثمرتها الحركة في تمتين وحشد قاعدتها «الجماهيرية المعارضة»، وهي قاعدة في جلها وعمومها تنحدر من الأوساط الريفية وتحديدا من بعض قرى المنطقة الشمالية ذات الاكتظاظ السكاني.
بل ان قاعدتها الأوسع تتشكل من طلاب المدارس في مرحلتها الثانوية وتحديدا الطلبة المنحدرين من الطبقات الفقيرة من المجتمع الريفي.
بل أصبحت قاعدتها ومعينها البشري قرى بعينها بل مناطق بعينها من هذه القرى. وهي فئات شبابية أما أن يكون بعضها عاطلا عن العمل وقد لا يبحث عنه أو أنها «هاربة» أي متسربة من التعليم الثانوي أو غير راغبة فيه أو كما يعتقد البعض من «متسكعي» الشوارع، ولربما من أولئك الذين لم تعد المعيارية أو مؤسسات الضبط التقليدية: الأسرية والدينية قادرة على ضبطها، بل أن بعضها قد وصل لقناعة وهي أنها في «مشاغباتها» لن تخسر شيئا.
ولن تنحدر كثيرا أكثر مما هو موضعها في السلم الاجتماعي ـ الاقتصادي، أي أن بعضه ينتابه شعور بالعدمية، أي أنه ليس هناك أمل في أن يكون حالها أفضل مما هي عليه أو أن تصعد في السلم الاجتماعي- الاقتصادي الداخلي. بل ان الحراك الاجتماعي في مجتمعنا كما يعتقد هؤلاء بات محكوما بمعطيات مثل طبيعة انتماءات الأفراد لتضامنياتهم المذهبية والقبلية والاثنية أكثر منه ملكات وأمكانيات فردية مساعدة على تسريع الحراك الاجتماعي.
أي أن ما يسمى «بالمرتوقراطية» كما يعتقد هؤلاء غير ذات جدوى في عملية الصعود الاجتماعي- الاقتصادي للفرد. وهي مسألة لم تحتل قدرا كافيا من الاهتمام الرسمي، وهو اهتمام يجب أن يتجه نحو العمل على فكرة أن حل مشكلات المعيشة والعمل والسكن وسيادة مبدأ تكافؤ الفرص هو العمل الاستباقي الأساسي لأي «مشاغبات» سياسية قد لا نرغب فيها أو لا يرغب فيها النظام.
ويعتقد البعض أن جنوح حركة حق الدائم ونزوعها نحو الاصطدام بالدولة، إنما تهدف ضمن ما تهدف إليه، إلى جر قواعد القوى الاسلاموية الشيعية الأخرى ومنها جمعية الوفاق الشيعية وكذلك المجلس العلمائي ذو النفوذ الأكبر في معظم مناطق الاكتظاظ السكاني الشيعي لهذا «العراك» .
وبالتالي دفعها نحو تبني أطروحاتها والانخراط في «مشاغباتها الشوارعية»، أي نسبة إلى تلك الاحتكاكات التي تحدث بين قوات الأمن وصبية حق في الشوارع الداخلية والخارجية لبعض قرى المنطقة الشمالية.
ومرة أخرى فليس بخاف أن إحجام جمعية الوفاق السابق (أي قبل الانفراجات السياسية الأخيرة) ولربما جل الجمعيات السياسية المعارضة عن توجيه النقد الواضح والصريح لأعمال وأنشطة حركة حق في الشارع قد دفع نحو اتهامها، أي جمعية الوفاق والجمعيات السياسية المعارضة، بالتستر على «مشاغبات» حركة حق وحماية ممارساتها من سلطة القانون.
بل ان بعضا من الكتبة والصحافيين قد ذهب في التباس واضح إلى أبعد من ذلك، من حيث قوله ان جمعية الوفاق وحركة حق ما هما إلا تنظيم سياسي واحد قد تقاسما أدوار العمل السياسي: داخل المجلس النيابي وتقوم به الوفاق اما حركة اضطرابات الشارع فقد أوكلت في ذلك لحركة حق.
. وهو تفسير مخل كما قلنا يعكس تبسطا في الفهم لحالة كل من التنظيمين السياسيين أو تبسيطا في فهم حالة الإسلام السياسي الشيعي في البحرين رغم ادعاء البعض أنه قادر على فهمه وتوصيفه.
وهو فهم اما أنه محكوم بنوازع عصبوية أو قائم على ما يسمى بثقافة السماع وهي ثقافة باتت تحكم الكثير من أحكام البعض من أصحاب القلم والقرار في مجتمعاتنا العربية.
فحجم الاختلاف السياسي بين حركة حق وامتداداتها الداخلية والخارجية وجمعية الوفاق إن هو إلا اختلاف كبير وجوهري في الخطاب العام والممارسة لا يمكن اختصاره في هكذا نتيجة.
وهو فهم للأسف الشديد قد روجت له أقلام وتبناه البعض ذو التأثير الرسمي في مؤسسة الدولة ومن قبل بعض رموز وأقلام الإسلام السياسي السني ومن قبل بعض الكتبة المحليين.
كما أعتقد أن مزيدا من الفهم من قبل النظام السياسي المترافق مع خطوات عملية على أرض الواقع قد يساهم في حصر التأثير الذي باتت تحتله أو تكتسبه حركة حق في بعض المواقع والزوايا في مجتمعنا المحلي.
وهي الخطوة التي باتت الكثير من القوى والجماعات التي اعتاشت طيلة السنوات الماضية على حالة التوتير هذه قد لا ترغب في اقترابها أو أن تأخذ مكانها على أرض الواقع. فكل جولة صراع يفترض أن تعقبها حالة من حالات السلم الاجتماعي والأهلي .
وهي حالة قد تكون من مصاحبات تقلص في منافع البعض أو وقف لها وهي منافع باتت الولاءات السياسية المعلنة تبنى عليها. بل ان المنافع هي المشكل الرئيسي لحالة الولاءات السياسية. وهي لكونها ولاءات قائمة على المنفعة فانها لا تلبث أن تصاب بحالة من الهستيريا السياسية إذا ما شعرت بأنها مهددة في منافعها أو معرضة هذه المنافع للتقلص.
فأزمة الحكم والسياسة والإدارة في الكويت كما يقول محمد الصقر النائب السابق في البرلمان الكويتي في بيانه الفارق «هي نتيجة تراكم سياسات مستمرة بدأت منذ أربعين عاما أو تزيد وتصاعدت وتيرتها بعد الغزو العراقي وتداعياته» إن ما نلحظه كما يقول هو نتاج «لسياسات خاطئة وإجراءات متناقضة وردود فعل متوترة، ما فتح المجال لتكريس ثقافة التجاذب والاستقطاب».
فنزوع التجربة البرلمانية في الكويت لنسج تحالفات سياسية مع القوى القبلية والمذهبية الكويتية: تارة مع القبائل وأخرى مع قوى الإسلام السياسي السني وأخرى مع قوى الإسلام السياسي الشيعي في مواجهة القوى اليسارية والقومية وقوى المجتمع التجاري التقليدية، أو مع أحدى هذه القوى ضد الأخرى.
قد أدت كما يقول الصقر لحالة الوهن التي باتت توصف به المؤسسة الرسمية الكويتية. بل ان اختراق مؤسساتها الحكومية من قبل هذه القوى قد عمق من حالة الوهن هذه وأقعدها عن أن تكون صاحبة المبادءة في العملية السياسية.
بمعنى آخر أن الدخول في لعبة التوازنات السياسية قد يتطلب من النظام، أي نظام كان أن يقدم تنازلات سياسية وأخرى اجتماعية ومنافع اقتصادية للقوى المتحالف معها وهي منافع ومكاسب تتحول بمرور الوقت إلى حقوق لا يمكن أن تتنازل عنها هذه القوى بسهوله أو أن تقبل بتقلصها. وهي تنازلات تتم على منطق هذه القوى وليس على منطق الدولة التي يفترض دائما أن تكون فوق القوى السياسية الداخلة في اللعبة السياسية.
كاتب بحريني