تتزايد الاحتمالات التي ترجح أن تنطوي مبادرة أوباما بشأن الصراع العربي الإسرائيلي على ما يمثل ضغطا على العرب والفلسطينيين لتقديم تنازلات إضافية لإسرائيل كمقابل لموقفه القوى إزاء نتانياهو حين التقاه الأسبوع الماضي في واشنطن.

فمن يشاهد المؤتمر الصحافي الذي عقده أوباما ونتانياهو يستطيع أن يتوقع ما دار خلف الأبواب المغلقة في لقاء الطرفين. فإذا كان المؤتمر الصحافي مؤشرا فإن ما دار بين أوباما ونتانياهو كان أشبه بالمناظرة لا الحوار وخلا اللقاء من الدفء الذي طالما اتسمت به لقاءات القمة الأميركية الإسرائيلية وانتهى اللقاء باتفاق ضمني بين الطرفين على ألا يتفقا.

ففي المؤتمر الصحافي كان واضحا أن كل طرف يعرض أولوياته ويشرحها ويدافع عنها ويترك للمشاهد التعليق على حجم الهوة بين رؤيته ورؤية الطرف الآخر. وقد حاول نتانياهو خلال المؤتمر الصحافي أن يضع على لسان أوباما ما لم يقله فهو على سبيل المثال شكر أوباما على أنه ترك كل الخيارات مفتوحة بخصوص إيران قاصدا طبعا خيار استخدام القوة العسكرية في حين أن ما قاله أوباما كان في الواقع بالغ الوضوح في أنه لا يتضمن الخيار العسكري.

فقد قال أوباما «لقد أكدت لرئيس الوزراء أننا لا نستبعد اتخاذ خطوات أخرى بما في ذلك عقوبات دولية أكثر قوة حتى تدرك إيران أننا جادون». وقد خرج نتايناهو من المؤتمر الصحافي ليروج هو وصحف بلاده لفكرة مؤداها أن أوباما حدد موعدا زمنيا للحوار الأميركي الإيراني وهو ما لم يحدث أيضا! فما قاله أوباما تعلق بالقدرة على تقييم مسار الحوار لا على وضع سقف زمني له.

وقد بدا على ملامح أوباما ونتانياهو في ذلك المؤتمر الجدية والصرامة التي تكشف عن علاقة ذات طابع رسمي لا ودي. وبينما وصف نتانياهو أوباما بأنه «زعيم عظيم»، تحدث بمنطق رئيس الدولة العظمى الذي يخاطب زعيم دولة تعتمد على بلاده اعتمادا كليا، فأعرب عن قناعته بأن نتانياهو سوف «يرتفع إلى مستوى الحدث» ويحقق تقدما على صعيد التسوية!.

كان من الواضح أن نتانياهو فشل في أن يحصل من أوباما على أي تعديل في موقفه بخصوص المستوطنات ولم يفلح في إقناعه بوضع إيران قبل فلسطين في الأولويات.

لكن يخطئ العرب كثيرا إذا ما ركنوا إلى تلك الفجوة التي ظهرت في العلاقة بين إدارة أوباما وحكومة نتانياهو متجاهلين أن هناك قضايا أخرى لم يعلن فيها أوباما بعد موقفه وعلى رأسها طبيعة حل الدولتين كما تراه إدارة أوباما، والموقف من المبادرة العربية فضلا عن القدرة النووية الإسرائيلية.

ثم أن الخلاف الحالي بين أميركا وإسرائيل ليس نهاية المطاف، فالأرجح أن تسعى إسرائيل وأنصارها في واشنطن لتجنب الصدام مع أوباما في الوقت الحالي بشأن القضايا التي اتضح إصراره عليها وتسعى لأن تركز على القضايا المحورية الأخرى التي لا تقل أهمية.

بعبارة أخرى، الأرجح أن تركز إسرائيل جهودها اليوم على انتزاع مواقف بشأن طبيعة الدولتين حتى دون اعتراف إسرائيلي بحل الدولتين، والدفع نحو موقف أميركي يطالب العرب بمزيد من التنازلات وإرجاء الحديث حول القضايا الخلافية إلى حين تنحسر شعبية أوباما في الداخل الأميركي فيسهل وقتها الضغط عليه بشأن تلك القضايا.

ولعل أولى المؤشرات التي تدل على نجاح إسرائيلي في ذلك الاتجاه هو ما حدث في المؤتمر الصحافي نفسه حين استخدم أوباما فعلا تعبير «الدولة اليهودية»، وما ينطوي عليه ذلك من خطورة لا تتعلق فقط بحقوق اللاجئين المعترف بها وفق القانون الدولي.

وانما بحقوق عرب إسرائيل أيضا في حقوق متساوية، هذا فضلا عن أن الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية هو بمثابة إقرار بحق كل يهود العالم في الهجرة لإسرائيل والإقامة فيها بدلا من أصحاب الأرض الذين هجروا منها.

لكن من المنتظر أيضا أن تسعى إسرائيل لانتزاع مواقف من أوباما بخصوص طبيعة الدولة الفلسطينية بما في ذلك وضع القدس وحقوق اللاجئين ومسألة السيادة. وتسعى أيضا إلى إغلاق الباب الذي كان فتح مؤخرا ولأول مرة بشأن مساءلة إسرائيل بخصوص قدراتها النووية.

وفيما يتعلق بالمبادرة العربية يبدو للأسف أن هناك موقفا أميركيا إسرائيليا مشتركا قد بدأ يتشكل بالفعل في خصوصها ويهدف إلى قلبها على رأسها، أي مطالبة العرب باتخاذ خطوات نحو التطبيع الفوري قبل أن تنسحب إسرائيل من أية أراضى محتلة. وهو ما عبر عنه أوباما نفسه بشكل ضمني في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع نتانياهو.

لكن السؤال المهم بعد كل ذلك هو ما إذا كانت إدارة أوباما على استعداد للضغط على إسرائيل. فرغم إيجابية المواقف التي اتخذها أوباما في المؤتمر الصحافي إزاء المستوطنات وضرورة إنشاء الدولة الفلسطينية إلا أن تلك المواقف لم تنطو إطلاقا على أي ضغوط على إسرائيل.

ولا يمكن لعاقل أن يتوقع من إسرائيل التي تحصل على كل ما تحصل عليه من دعم أميركي مالي وعسكري ودبلوماسي أن يكون لديها ما يدفعها نحو تقديم أية تنازلات تؤدى لحل جاد مادام ذلك الدعم الأميركي مستمرا لا يتأثر. ومن ثم فإن السؤال الرئيسي هو إلى أي مدى سيكون أوباما على استعداد لاستخدام ذلك الدعم اللامحدود للضغط على إسرائيل؟.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com