إذا كان مشروع تحرير الوطن من الاحتلال قد شكّل ذروة أي عطاء يمكن أن يقدّمه أبناؤه على اختلاف انتمائهم العقائدي والفكري، فإن حماية هذا الإنجاز يعتبر بلا شك من الواجبات الضرورية لكافة شرائح المجتمع خلال المراحل اللاحقة.
هكذا يقضي المنطق الذي سمعناه دائما من كافة التيارات والمدارس الفكرية، وهكذا نصّت جميع تجارب الشعوب الأخرى في أكثر من مكان وزمان.
لكن هذه المسلّمة المصيرية تبقى برغم حتميّتها من الأمور المتنازع عليها في لبنان، أقلّها بسبب التباين الكبير في الانتماء العقائدي بين الجماعات التي تشكّل نسيج المجتمع، بل الأهم، بسبب الاختلاف القائم في كيفية تفسير مشروع صيانة المصالح الوطنية لأن ذلك ينبثق حتما من الطريقة التي يفكر من خلالها كل طرف.
إن ما يعزز هذه الإشكالية ويرفعها إلى درجة الخطورة القصوى هو أن المعنيين حوّلوا هذه الحتمية المفتَرضة إلى مادة تجاذب سياسي رخيص بدلا من أن يحرصوا على وضعها في مصاف المصالح الإستراتيجية المقدسة المفترض مناقشتها بكل رقي بعيدا عن التجاذبات الإعلامية وغيرها.
ومن خلال هذا الأمر، فأنهم لم يساهموا إلا بإخماد وهج الانتصار الذي أشعّ بقوة من خلال التضحيات التي قدّمتها قوى سياسية كانت فاعلة في مراحل متفاوتة، لكن أيضا من خلال احتضان معظم أبناء الشعب لمنطق المقاومة بغض النظر عن الطرف الفاعل فيها في هذه الحقبة الزمنية أو تلك.
اليوم، تبدو القوى المعنية بحماية انجازات التحرير وفي مقدّمتها حزب الله، سائرة في مفارقات غير مفهومة تحت شعارات وعناوين عامة لم تعد قادرة على تحقيق التعبئة الشاملة مثل السابق. إضافة لذلك، فإن الوضع الذي تتحرك من خلاله ساهم حتما بإغراقها في تفاصيل اللعبة الداخلية الخطيرة، كما جعلها هدفا سهلا لنيران خصومها لأنها لم تتمكن حتى الآن من تحرير نفسها من عملية التكامل المؤثرة مع المحيط الإقليمي والتنفيس عن أهوائه وتوجهاته، بل أكدت في أدبياتها المختلفة بأنها ستبقى جزءا لا يتجزأ من هذا المشروع.
انطلاقا مما سبق تبدو المعادلة القائمة حاليا بسيطة ومعبّرة في آن: القوّة التي كانت قادرة ذات يوم على تأمين أوسع احتضان شعبي «محلي» لأهدافها المتمثلة بتحرير الأرض، تبدو اليوم بالنسبة للبعض رأس حربة لمشروع «خارجي» غير واضح المعالم..
وبغض النظر عن حجم هؤلاء ونسبة تأثيرهم في المجتمع، إلا أنهم يشكّلون على الأقل شريحة معيّنة من أبناء الوطن كان حري بمشروع المقاومة أن يعمل على جذبهم واحتضانهم لأنهم كانوا ذات يوم من أبرز المحتضنين لها.
وهنا بالتحديد تكمن أهمية ما نحاول قراءته بين سطور الحركة السياسية في لبنان حاليا، حيث إن الانقسام الذي يعيشه المجتمع بات من الخطورة بمكان لدرجة أنه بات يؤثر على وهج الانتصار الذي من المفترض أن يكون عيدا حقيقيا تحتفل به كافة قطاعات الشعب.
اليوم، ترفض شريحة من اللبنانيين الاحتفال بهذا اليوم منطلقة من أسباب قد تكون منطقية، أهمها ما هو مرتبط بأداء بعض فصائل المقاومة وحلفائها على الساحة المحلية خلال الأعوام القليلة الماضية. وهذا بلا شك أمر محزن ومقلق في آن، لأنه يحقق بعضا من الأهداف التي يسعى أعداء الوطن لتحقيقها بكل قوة: التشرذم والانقسام وتباين الرؤى الإستراتيجية بين أبناء الوطن الواحد.
إن هذه التفسيرات لحركة الصراع الفكري اللبناني تستحضرنا مجددا في ذكرى تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي والتي يحتفل بها لبنان الرسمي حاليا. فهي تبرز من خلال إشكالياتها الواضحة بين التيارات المختلفة لكن أيضا من خلال الأفكار المطروحة علنا في بازار الحملات الانتخابية المستعرة، حيث لم يجد فريق من اللبنانيين أي حرج بطرح موضوع المقاومة من زاوية أنها مصدر ضعف للوطن بدلا من أن تكون عكس ذلك تماما.
وفي الحد الأدنى فإن هذا يتطلّب من المعنيين بملف المقاومة وقفة صريحة وواضحة بعيدا عن التطرف والتشنّج الفكري، لأن المطلوب هو استكمال صيانة الانجاز الكبير وتاليا تأمين الحماية للوطن وسيادته. أما غير ذلك فيجب أن يبقى جزءا من التفاصيل الكثيرة المحصورة في الأداء السياسي العادي المتعارف عليه في كافة المجتمعات الديمقراطية.
في هذا السياق يجب الانتباه إلى حقيقة أن اللعبة الانتخابية المستعرة حاليا تشكّل أرضا خصبة لارتفاع نبرة الخطاب السياسي وتاليا التشدد في الطرح، وهو ما نراه فعليا في أكثر من مكان من خلال بعض النتوءات السياسية التي ارتأى حزب الله احتضانها على لوائحه الانتخابية لاعتبارات عديدة، برغم عدم تمتعها بأي تمثيل حقيقي.
لكن المفاجأة الأكبر في خضم هذه القراءة تمثلت في الخطاب الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله قبل فترة، واعتبر فيه عملية الاحتلال القسري لأقسام من بيروت بأنه بمثابة «تاريخ مشهود للبنان».
لقد زاد هذا الطرح من خطورة المشهد القائم لأنه أعاد التأكيد على ثوابت ساهمت بشرذمة اللبنانيين ونشر الكراهية الدموية بينهم، ورسّخ حالة الاضطهاد التي شعر بها قسم كبير من اللبنانيين جراء هذه العملية العسكرية أو غيرها من الممارسات اللاحقة.
بجميع الأحوال، فأن ما جرى في ذلك «التاريخ المشهود» لا يعكس ثقافة المقاومة بأي شكل من الأشكال، ولا يشكّل بكل تأكيد طموحا وطنيا شاملا. ومهما كانت الدوافع التي أدّت للإقدام على خطوة جذرية مثل تلك، فإن التبعات اللاحقة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن ضررها على الوطن كان أكبر بكثير من منافعها على المقاومة.
إن أفضل ما يمكن أن نتمناه في ذكرى التحرير هو أن يستكين السياسيون اللبنانيون إلى ضميرهم، وينصرفوا لبناء وطن حقيقي جامع لكل أبنائه.
كاتب لبناني
