اللقاء الأول الذي جمع بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو والرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن يوم الاثنين 18 مايو الجاري، لم يردم الفجوات بين السياستين الإسرائيلية والأميركية، بل أظهر بشكل جلي إخفاق أوباما في زحزحة نتانياهو عن موقفه القائل إن حكومته الحالية ملتزمة بالعملية السياسية مع الفلسطينيين «ليس على أساس دولتين لشعبين، إنما على أساس اعتراف فلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية»، وإن كان التهديد الذي يشكله البرنامج النووي الإيراني على المنطقة، والدعم الإيراني القوي لحركات المقاومة الفلسطينية المتشددة بالمال والسلاح، شكلا نقطة التفاهم الرئيسة بين الرجلين.
الرئيس الأميركي يريد أن يتقدم على جبهة الصراع العربي ـ الصهيوني، ولا سيما الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي منه، إيمانا منه أن لا أزلية لأي صراع مهما كانت تعقيداته. وقد أوضح الرئيس الأميركي باراك أوباما هذه المسألة لبنيامين نتانياهو في لقائه الأخير معه، وفتح بهذه المناسبة مشهدا من مبادرته للسلام في الشرق الأوسط لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، التي سيطلقها أوباما في خطابه إلى العالمين العربي والإسلامي في القاهرة في الرابع من يونيو المقبل.
هذه الإرادة الأميركية الجديدة المصرة على طرح مبادرة سلام جديدة، تجد الترحيب الكامل عربيا وعالميا، مادام الطرفان الرئيسان (الفلسطيني والإسرائيلي) المعنيين مباشرة بهذا الصراع القديم عجزا حتى هذا اليوم عن التقدم بإمكانياتهما الذاتية نحو إيجاد حل عادل له، حيث تملصت إسرائيل تكراراً من استحقاقات السلام مع الفلسطينيين.
الإدارة الأميركية الجديدة المنكبة على معالجة ملفات الشرق الأوسط المعقدة، تريد أن تضطلع بدور الوسيط - الحكم، في قطيعة مع سياسة إدارة الرئيس بوش السابقة، التي كانت منحازة بإطلاقيه لحليفها الإسرائيلي. غير أن إدارة أوباما الحذرة من جراء التضاريس الوعرة لأزمات الشرق الأوسط، تأخذ على عاتقها مهمة خلق انتظارات حقيقية لدى الشعب الفلسطيني، من خلال المبادرة الجديدة التي ستطرحها.
حسب ما أوردته صحيفتا «يديعوت أحرونوت»، و«معاريف» الإسرائيليتان الصادرتان يوم الأربعاء 20 مايو الجاري، فإن «الرئيس أوباما يعتزم في خطابه دعوة الدول العربية إلى اتخاذ خطوات لبناء الثقة مع إسرائيل، من أجل تحسين الأجواء تمهيداً لإجراء مفاوضات. وأوضحتا: «أن مبادرة أوباما مبنية على حل الدولتين لشعبين، وتبني بنود معينة من المبادرة العربية للسلام، وأن «الدولة الفلسطينية التي ستقام إلى جانب دولة إسرائيل ستكون مستقلة وديمقراطية مع تواصل إقليمي في المناطق التي سيتفق على أن تخليها إسرائيل (في الضفة الغربية المحتلة)».
لاشك أن هذه المبادرة الجديدة تمزج بين بنود «خريطة الطريق»، ومبادرة السلام العربية، ورؤية الرئيس بوش لحل الدولتين لشعبين، تحرص في الوقت عينه على ضمان أمن إسرائيل، وذلك من خلال الحيلولة دون أن يكون للدولة الفلسطينية جيش مستقل، إضافة إلى منعها من إقامة أحلاف عسكرية مع دول أخرى. وتحدد المبادرة «إطارا زمنياً لا يتعدى أربع سنوات (ولاية أوباما الرئاسية الأولى ) لإقامة الدولة الفلسطينية».
الملف الفلسطيني تحول إلى ماكينة جهنمية من الإخفاقات والإحباطات منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، مروراً بالوعود حول إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، التي أعلنتها «خريطة الطريق» (مبادرة الرباعية سنة 2005)، ومؤتمر أنابوليس في نهاية سنة 2007، التي لم تجد ترجمتها على أرض الواقع، من جراء عدم رغبة الإدارات الأميركية السابقة في الضغط على إسرائيل من أجل إيجاد تسوية عادلة.
اللقاء بين نتانياهو وأوباما، كشف عن عمق الخلافات بين الرؤية الأميركية والرؤية الإسرائيلية، لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، الذي فقدت مشاريع تسويته السابقة كل مصداقية، من جراء تعاظم واستمرار سياسة الاستيطان الجارية على قدم وساق بمعدل 12000 مستوطن سنويا، وهيمنة أيديولوجية نتانياهو ـ ليبرمان التي تفضح عقلية المجتمع السياسي الإسرائيلي العنصرية، والقائمة على مبدأ التنظيف العرقي لإسرائيل من المواطنين العرب، إضافة إلى رفض إسرائيل الربط بين التقدم في المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، والتقدم في معالجة السلاح النووي الإيراني.
كاتب تونسي