كعادة مؤتمرات القمة العربية والاسلامية والاجتماعات الطارئة لوزراء الخارجية، شهدت قاعة اجتماعات وزراء خارجية منظمة المؤتمر الاسلامي أول امس في دمشق سيلا من كلمات وتصريحات الادانة والشجب لاسرائيل وممارساتها خاصة ضد المقدسات والاستيطان والعدوان على الشعب الفلسطيني وحقوقه، الا ان هذه البيانات والتصريحات سرعان ما تتلاشى مع اختتام المؤتمر او الاجتماع لنسمعها مجددا في المؤتمر القادم وما بين هذا وذاك تكون اسرائيل قد فرضت مزيدا من الوقائع على الأرض وواصلت تنفيذ مخططاتها دون ان يتحرك المؤتمرون بشكل جاد لمواجهة ذلك.

وفي الحقيقة فان عقودا طويلة من العمل العربي والاسلامي لم تشذ عن هذه القاعدة وكأن زعماء الامة الاسلامية قد أخذوا بتصحيح الاعوجاج بالسنتهم بل ان البعض ينطبق عليه فبقبله بعد ان عجز اللسان وبعد ان عجزت الأيدي، الا ان الوقائع الجارية على الأرض تلطم كل من اعتقد ان تصحيح الاعوجاج باللسان ممكن في مواجهة اسرائيل التي ضربت وتضرب عرض الحائط كل ما يقوله قادة وزعماء الامة العربية والاسلامية لانها تدرك تماما ان ما يقال مجرد كلام في الهواء لا يستند الى عوامل القوة المطلوبة حتى يكون للكلمة معنى وحتى يكون اللسان جادا كالسيف.

لقد اتهم الخطباء في اجتماعات وزراء خارجية المؤتمر الاسلامي اسرائيل امس بأنها العقبة امام السلام وانها تنتهك المقدسات وتواصل الاستيطان ... الخ وكل ذلك صحيح تماما ولكن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل مهمة قادة وزعماء هذه الامة ان يقف دورهم عند تشخيص الداء دون تقديم الدواء او حتى دون محاولة تقديم الدواء؟! وما الذي فعله هؤلاء القادة على مدى سنين طويلة ونقضهم على مدى عقود لضمان تحقيق السلام العادل والشامل او لايقاف انتهاكات اسرائيل او لنصرة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة؟ وكيف للمواطن العربي او المسلم ان يقتنع بجدية هذه الامانات والتصريحات في الوقت الذي لم يحاول فيه مطلقوها اتخاذ اجراء واحد ضد دول تقدم الدعم لاسرائيل وتشجيعها على العدوان والاحتلال؟ بل ان بعض هذه الدول لا زالت تفتح ابوابها وعواصمها امام المسؤولين الاسرائيليين عدا عن المسؤولين الغربيين المعروفين بدعمهم لاسرائيل وحمايتهم لها ولممارساتها.

ولذلك ليس غريبا الا يكترث ابناء الامة العربية والاسلامية بمثل هذه البيانات والتصريحات التي يسمعونها منذ عقود دون ان تقدم اي جديد ودون ان يستعيد مطلقوها حقا واحدا من حقوق الشعب الفلسطيني او حقوق العرب الذين لا زالت اسرائيل تحتل اراضيهم في الجولان والجنوب اللبناني.

اوروبا عندما يتهددها اي خطر تسارع الى عقد الاجتماعات واتخاذ مواقف تتراوح بين العقوبات الاقتصادية والاستعداد للمشاركة في عمل عسكري كما حدث في العراق وافغانستان والسودان وهو ما تفعله ايضا الولايات المتحدة الاميركية التي تحرك الجيوش وتستخدم سلاح العقوبات الاقتصادية وفي كثير من الاحيان يكون مثل هذا الاستخدام ظالما ودون وجه حق. ولهذا نطرح السؤال على قادة هذه الامة: اذا كانت اوروبا واميركا تفعلان ذلك رغم انهما ليستا دائما على حق، الا يحق لقادة الامة العربية والاسلامية اتباع نهج الحفاظ على المصالح والحقوق العربية باتخاذ مواقف مماثلة ازاء اية دولة تشجع وتدعم الاحتلال او تجاه اسرائيل التي تستخف بالعالم العربي والاسلامي؟!

لم يعد المواطن العربي بحاجة الى مثل هذه التصريحات والبيانات التي لم تجدي حتى في تخدير هذه الامة بل ان هذا المواطن ينتظر من قادته مواقف ترتقي الى مستوى التحديات التي تهدد مستقبل ومصير الامة وينتظر من قادته ان تتطابق اقوالهم وافعالهم فالذي يدين الاستيطان وانتهاك المقدسات والاحتلال يفترض الا يفتح الباب امام كل من يدعم الاحتلال ويشجعه او امام من يمارس هذا الاحتلال.

ولذلك نقول كفى استخفافا بعقول ابناء هذه الامة الذين سئموا كل هذا العجز وهذا التردي وسئموا ان يقفوا رهائن للالم والمعاناة والمس بكرامتهم الانسانية كبشر منهم اجدر بمن يدافع عن حقوقهم ومصالحهم بشكل حقيقي.