أبعاد بالغة الأهمية.. وإنجاز تاريخي كبير والكويت مقبلة على خيارات استراتيجية إقليمية.كما توقعنا في جريدة الطليعة (6 مايو 2009) بأن الأزمة المجتمعية التي تعاني منها البلاد بعد التحرير سوف تؤدي إلى تحول ثقافي عميق في القيم وفي المناخ السياسي العام. وقد صدقت هذه التوقعات في نتائج انتخابات 16 مايو 2009.
وابرز هذه المؤشرات دخول المرأة في البرلمان لأول مرة، ومساهمتها في الميدان السياسي بشكل فاعل في مجتمع محافظ اجتماعياً وسياسياً. فقد أحرزت المرأة مراكز متقدمة في مناطقها الانتخابية. وقد حصل هذا التحول في اقل من سنة واحدة، وفي خلال أربع سنوات من حصولها على حقوقها السياسية منذ (2005).
وهناك أبعاد بالغة الأهمية ليس في دخول المرأة قبة البرلمان فقط، وهو انجاز تاريخي كبير، وانما في حصولها على أصوات النساء بكثافة. فقد حصلت د. معصومة على سبيل المثال، على 21؟
من أصوات الناخبين في الدائرة الأولى، شكلت أصوات النساء 7,54 في المئة من مجموع الناخبين. بينما حصل النائب حسين علي القلاف على 5,49 في المئة من أصوات الإناث في تلك الدائرة، ونتوقع ان شيئاً قريباً من هذه النسب ينطبق على باقي المرشحات الثلاث. وهذا تحول كبير في نتائج مجلس الأمة.
وطابع التصويت للمرشحات الأربع هو التعاطف أو ربما التصحيح للاتجاه الذي ساد في انتخابات 2008 من حيث عدم الثقة بالنفس، وما مثله من تحد للتيار الإسلامي المحافظ المعادي لمنح حقوق المرأة السياسية، بالرغم من الفتاوى الضعيفة كتكتيك سلبي للتأثير على الانتخابات.
أبعاد إقليمية: هذا التحدي للتيار المحافظ الديني يمكن ان تكون له أبعاد اقليمية كعنصر مشجع للتوجه الذي يسمح للمرأة بالمشاركة في الحياة السياسية في دول الخليج الأخرى من خلال احتلالها للمناصب العامة.
خاصة وان تحدي التيار الديني المحافظ يُظهر ان الطرح المحافظ يمكن ان يكون بداية لانحسار أسلوب التخويف والترهيب الذي اتبعه هذا التيار منذ الثمانينات من القرن الماضي.
كسر الحاجز الطائفي: واحد من أهم المؤشرات في نجاح المرأة البرلماني كونه حصل عبر الحاجز الطائفي ـ القبلي. فقد حصلت النائبات الثلاث (معصومة، أسيل، رولا) على أصوات الذكور والإناث من السنة والشيعة بدرجات متفاوتة، وهي بادرة نأمل ان تتطور لتضعف هذا الحاجز الطائفي المعوق للمسيرة الديمقراطية، إلا ان الزيادة الملحوظة في عدد نواب الشيعة من (5) في سنة 2008 إلى (9) نواب في سنة 2009 (انظر الجدول المرفق). يمكن ان يكون أسلوباً احتجاجياً له ما يبرره، بسبب الطريقة المرتبكة والمتشنجة في معالجة الحكومة لموضوع تأبين عماد مغنية. وقد أثبت القضاء الكويتي بطلان الدعاوى الحكومية. (.. والقبلي).
وبقاء حصص القبائل الرئيسة في البرلمان على نسبه السابقة (بالرغم من التغير في الأشخاص) يمكن ان يكون أسلوباً احتجاجياً على حملة الحكومة المرتبكة والمتشنجة على الانتخابات القبلية الفرعية، وهنا حصل اختراق للحاجز القبلي. فقد فاز النواب الذين يتسببون في «تأزيم» العلاقة بين البرلمان والحكومة (البراك، الطبطبائي، المسلم، بورمية وآخرون) بأصوات قبائلهم فقط.
وانما بأصوات من قبائل أخرى (ما يُعرف بالاقليات، أي الصغيرة)، فيمكن ان ينظر إلى هذا النجاح الانتخابي على انه مكافأة لهؤلاء النواب على تبنيهم لمطالب شعبوية، أو ربما تحظى بتأييد شعبي مثل إسقاط القروض، والمطالبة بتوزيع أكثر عدلاً للوفرة من مداخيل الثروة النفطية، ومكافحة الفساد الاداري والمالي.
انخفاض حصة التيارات: وامتداداً إلى موضوع الأداء الضعيف للتيارات الدينية المحافظة انخفض تمثيل هذه التيارات بمعدل الثلث، اذ بلغ ثمانية نواب (حسب الجدول المرفق) بدلاً من 12 في مجلس 2008.
وكذلك انخفض تمثيل التيار الوطني (المسمى الليبرالي) من خمسة نواب إلى اثنين. وسبب ذلك يعود وبوضوح إلى نخبوية هذا التيار وانعزاله عن الهموم اليومية لعامة المواطنين ومعارضته الايديولوجية للمطالب الشعبية وتبنيه لقضايا لا تحظى بقبول عامة المواطنين مثل الخصخصة والمطالبة بفرض الضرائب ومعارضة مطلب توزيع أكثر عدالة للدخل الوطني من الوفرة في مداخيل النفط.
ومع ان مرشحي هذا التيار الذين خسروا في الانتخابات حصلوا على نسب أصوات عالية، فيمكنهم اذا ما راجعوا برامجهم ان يحصلوا على أداء أفضل في الانتخابات القادمة.
فقد حصل وسمي الوسمي على (4941) صوتاً، وحصل عبدالله النيباري على (4481) صوتاً، ومحمد العبدالجادر على (3954) صوتاً، ومن التيار الإصلاحي ذكرى الرشيدي على (6635) صوتاً.
يظهر الجدول المرفق ان القبائل أو الصوت القبلي لا يمكن تصنيفه حسب التكتلات السياسية والحزبية وهذا مؤشر على ان الصوت القبلي يبقى دون طرح ايديولوجي ويفتقر إلى البرامج السياسية. وسبة نائب الخدمات ستبقى أحد المعوقات السياسية التي تواجهنا.
ان الطريقة الوحيدة لتوقعاتنا بشكل موالاة أو معارضة هو احتمال من يكون على استعداد للتصويت مع المشاريع الحكومية، ومن يكون على استعداد للتصويت ضد المشاريع الحكومية، وهذا التكتل لن يظهر بوضوح أو يتبلور إلا اذا أصرت الحكومة على تحدي المجلس واللجوء إلى أسلوب الإصرار على مشاريع لا تحظى بشعبية مما يؤدي إلى توتر واحتكاك أما الحل المتكرر لمجلس الأمة فسوف يدخل البلاد في أزمة دستورية لا طائل من ورائها.
غياب الرقابة: وقد كان لافتاً في العملية الانتخابية وفي مداولات مجالس الأمة السابقة غياب الرقابة على سياسات الحكومة الخارجية. وهذا ينطبق بشكل شديد الوضوح على انتخابات 2009. وقد ذكر أحد النواب السابقين ان السياسة الخارجية ثابتة وتعتمد بشكل كامل على حماية الولايات المتحدة لمصالح البلاد الخارجية فليس هناك من داع للخوض في هذا الموضوع.
والحقيقة فإن البلاد مقبلة على خيارات استراتيجية إقليمية متصلة بالدور الذي يمكن ان تلعبه دول الخليج: هل سنصطف مع إسرائيل والمملكة العربية السعودية ومصر ضد إيران؟ أم نكوّن خليجياً مركز ضغط على السياسة الخارجية الأميركية لتجنب المواجهة مع إيران؟ ما هو دور الولايات المتحدة في المنطقة بعد الانسحاب الجزئي المتوقع من العراق؟ هذه أمور لم يتطرق لها احد من النواب ومن غير المتوقع ان تطرح في المجلس القادم.
كاتب كويتي