حينما مهد شمعون بيريز رئيس إسرائيل لزيارة نتانياهو لواشنطن بإعلانه «ان حكومة نتانياهو ملتزمة بالسلام، ونتانياهو يرغب في ان يصنع التاريخ، وفي إسرائيل يصنعون التاريخ بالسلام وليس بالحروب»، كان مفهوما ان نتانياهو سوف يصنع التاريخ على طريقته الصهيونية، فلنر إذن كيف سيدخل نتانياهو التاريخ؟
يبدو أن نتانياهو يخطط لدخول التاريخ عبر إستراتيجية جديدة ما تزال قيد التطور كما يقول الكاتب آري شافيت «ما ينقص الآن هو مفهوم سياسي جديد، وفكرة الإستراتيجية الجديدة، وبإمكان هذه الفكرة أن تكون فكرة بلير: بناء أمة، مشروع دولي طموح يبني من الأساس الأمة الفلسطينية»، موضحا: «مشروع بناء امة يهدف إلى تحويل حلم السلام غير القابل للتطبيق إلى خطة عمل جدية تجسد الحلم في آخر المطاف.
والفكرة تهدف إلى بناء الدولة الفلسطينية على المدى الزمني كما يجب من الأساس، واحتمالات إصغاء الولايات المتحدة لتصور بلير كبيرة، فاستراتيجية اوباما في العراق هي بناء امة، واستراتيجيته في أفغانستان بناء امة، ليس هناك سبب لان لا تكون استراتيجيته في فلسطين أيضاً هادفة لبناء امة». فتصوروا إذن ـ كيف ستكون استراتيجية بناء الأمة الفلسطينية على الطريقة العراقية والأفغانية ؟!
ونتانياهو لا يخترع جديدا صهيونيا هنا في كيفية احتواء الشعب والقضية الفلسطينية وإعادة إنتاج الاحتلال، فقد سبقه إلى ذلك رؤساء الحكومات الإسرائيلية السابقون وان بصيغ مختلفة وأشكال متعددة ولكن موحدة في الجوهر، غير ان مشروع شارون في إعادة بناء أو صياغة الشعب الفلسطيني هو الأشد وضوحا، فإذا كان نتانياهو يموه المشروع بالأفق الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة الفلسطينيين مقابل التطبيع الشامل مع العرب.
فشارون لم يكن كذلك، بل تقدم مباشرة للتطبيق العملي للمشروع عبر سياسات «السور الواقي» والاجتياحات والاغتيالات والاعتقالات والتدمير المنهجي الشامل للبنى المدنية الفلسطينية.
فالعنوان الأساسي الكبير للمرحلة الشارونية هو التصعيد الحربي التركيعي الشامل ضد الفلسطينيين بغية تطويعهم وإجبارهم على رفع الرايات البيضاء وتنكيس اعلام الانتفاضة الاستقلالية والرضوخ للشروط والاشتراطات والصيغ السياسية الإسرائيلية وصولاً إلى ابتزاز تنازلات فلسطينية تاريخية واستراتيجية عبر صيغتي الجنرال باراك المتمثلتين بـإنهاء نزاع القرن مع العرب وإنهاء المطالب الفلسطينية في قضايا اللاجئين وحق العودة والقدس والحدود ومقومات السيادة.. الخ.
وكل ذلك على أرضية واحدة راسخة في أدبياتهم ومعتقداتهم ومخططاتهم، حيث يعتبرون أن فلسطين من «المية للمية» أرض إسرائيل، وأن الضفة الغربية جزء من أرض إسرائيل وأن اليهود جنس أرقى من الأغيار ـ أي العرب على وجه حصري وأن من حقهم بالتالي الاستيطان والعيش في أي مكان يريدون في أرض إسرائيل وأن الدم اليهودي أغلى من دماء الأغيار وأن الرأس اليهودي بألف رأس عربي.. الخ.
ولذلك أيضاً أعلن شارون تباعا: «سوف نضربهم وندمرهم من الأساس لأنها الطريق الوحيدة كي تهدأ البلاد، والطريق الوحيدة لإجراء مفاوضات والتوصل إلى تسوية، ولن يتم ذلك إلا إذا نجحنا في القضاء على بنى الإرهاب». اذن ـ الهدف الكبير المبيت من وراء سياسات التدمير والحرق والمجازر والإخضاع كان تحقيق «حلم اختفاء الآخر العربي.
كما أكد الباحث الإسرائيلي ميرون بنفنستي، و«إعادة تشكيل الشعب الفلسطيني»، الأمر الذي أكده أيضاً البروفيسور الإسرائيلي ميرون بنفنستي حينما كتب في صحيفة هآرتس يقول: «ان شارون يرمي من وراء مخططه إلى تجنيد الجميع لأيديولوجيته الرامية إلى نزع الشرعية عن الشعب الفلسطيني وعن قيادته الشرعية».
فشارون كان يحلم باستبدال الشعب الفلسطيني عبر الحروب، وبإعادة تشكيله وصياغته بما يتناسب مع مخططاته واشتراطاته السياسية، الأمر الذي أكده أيضاً جوناتان فريد لاند في صحيفة الغارديان حينما كتب موضحاً: «يرغب شارون في إيجاد شعب فلسطيني مختلف حتى لا يضطر للتعامل مع الشعب الحقيقي».
ويضيف «وهكذا فإن شارون كان يسعى ليسلي نفسه بتخيل شعب فلسطيني هادئ بدلاً من التفكير في شعب يتمتع بالكبرياء والاباء، تحت قيادة زعماء مرنين ومطواعين بدلاً من قيادة رمز وطني ولم يتحقق حلم شارون ولكن من يدري مقدار الدم الذي سيراق قبل أن يتحقق ؟».
وقد عزز الكاتب «آفي شلايم» أستاذ العلاقات الخارجية في جامعة اكسفورد وهو مؤلف كتاب «الجدار الحديدي»، جملة الأهداف والمضامين المشار إليها بعبارات مكثفة، حيث كتب في الهيرالد تريبيون يقول:
«ان الهدف السياسي لشارون لذلك التصعيد العسكري كان قتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين حتى يخضعوا»، كما أن برنامج شارون السياسي الأوسع كان القضاء على اتفاقيات أوسلو، واستكمال إعادة احتلال الأراضي الفلسطينية، والإطاحة بالسلطة وتقويض وإذلال القيادة الفلسطينية.. وباختصار: فإن بطل الحلول العنيفة قد أطلق عنان الإرهاب في المناطق الفلسطينية ليس لقمع الفلسطينيين بل لوقف المسيرة نحو حكم ذاتي أو استقلالي ودولة فلسطينية.
في الجوهر والصميم والتطبيقات والتداعيات على الأرض الفلسطينية، فإن نتانياهو انما يواصل عمليا خطة شارون التي كانت وما تزال إعادة إنتاج الخيار المشروع القديم ـ الجديد ـ المتجدد الذي يطلق عليه اسم خيار «غزة أولاً»، و«غزة للدولة الفلسطينية المحجمة والضفة لإسرائيل إلى الأبد».
المحلل السياسي المعروف «الوف بن» كتب في صحيفة هآرتس «ان خطة شارون أقرت ـ ونفذت ـ ولكن لن يحدث أي تغيير على الأرض»، بينما صرح المؤرخ «شلومو زاند» مؤكداً نوايا شارون الحقيقية قائلا «ان شارون يعيد الانتشار في غزة ليبقى عشرين سنة أخرى في الضفة».
ولذلك، وبقراءة متجددة لأفكار ومشاريع نتانياهو، نجد انه يشكل استمرارا لشارون في خطته ومشاريعه وشعاراته، غير ان نتانياهو يسعى عبر «فهلوته» إلى إضفاء بصماته على مرحلته الجديدة بعبارات وصيغ قديمة متجددة، وما الأفق الاقتصادي الذي يعرضه على الفلسطينيين الا إعادة إنتاج وصياغة للشعب الفلسطيني كما يرغبون، وما استراتيجية بناء امة فلسطينية جديدة سوى إعادة إنتاج لسياسة خلق شعب فلسطيني آخر، ما فشل شارون في تحقيقه، وما سيفشل نتانياهو بالتأكيد في تحقيقه...!
كاتب فلسطيني
