ما يجرى في الصومال حاليا من اقتتال دام بين اخوة الأمس في مواجهة أمراء الحرب، وأعداء اليوم في مواجهة بعضهم البعض من أجنحة «اتحاد المحاكم الإسلامية» السابق، والتي تحولت في مواجهة الغزو الإثيوبي إلى «تحالف إعادة تحرير الصومال» أمر يثير الأسى والألم لدى كل أشقاء الصومال العرب والمسلمين.

وكل جيران الصومال الأفارقة ومشهد انتحاري حزين بكل المقاييس، خصوصا بعدما استبشر الصوماليون والعرب ببدء مرحلة صومالية جديدة تنهي تلك الكارثة الإنسانية الطويلة لهذا الشعب المسكين الذي يعاني الحروب الأهلية والخارجية على مدى ما يقرب من عشرين عاما، وتعيد جمع الصفوف وبناء الوئام والسلام بين الصوماليين..

وعلى الأخص بعد خروج القوات الإثيوبية، وانتخاب البرلمان الانتقالي الشيخ شريف شيخ أحمد رئيس تحالف إعادة تحرير الصومال، رئيسا للسلطة الصومالية الانتقالية، والذي لقي ترحيبا عربيا وإسلاميا وأفريقيا كبيرا، فليس هناك ما يبرر الاقتتال بين مسلم ومسلم أو بين وطني ووطني لأسباب سياسية مهما كانت هذه الأسباب!

المواجهة المسلحة الدامية والمؤلمة الحالية هي نتيجة خلاف سياسي في الوسائل حول أساليب تحرير وتوحيد الصومال، وليس في الأهداف وهي إخراج الإثيوبيين، وإعادة الأمن والسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية وتوحيد الصومال بين رؤيتين، سياسية تفاوضية للشيخ شريف تلزم المحتل بالانسحاب، وقتالية ضد المحتل حتى ينسحب لنائبه الشيخ حسن ضاهر، فبعدما جمعهما السلاح المشترك ضد أمراء الحرب قبل الغزو، وضد المحتل الإثيوبي بعد الغزو، ها هما الآن يقعان في فخ الاقتتال غير الشرعي بما يسيء لكل ماهو إسلامي ووطني!

واختار الشيخ ضاهر معارضة نهج الشيخ شريف، وأصر على مواصلة المقاومة المسلحة ورفض التفاوض سواء مع المحتل أو مع حكومة عبد الله يوسف الانتقالية إلا بعد خروج المحتل أولا، وكانت هناك تحركات إقليمية ودولية لاستعادة السلام إلى الصومال عبر الحوار الصومالي والتفاوض السياسي.. فاستضافت جيبوتي، التي انتقل إليها الشيخ شريف ومؤيدوه، مؤتمرا وطنيا صوماليا بإشراف الأمم المتحدة نتج عنه ما يعرف «باتفاق جيبوتي» الذي انسحب الاحتلال الإثيوبي بموجبه، وأعيد تشكيل البرلمان الصومالي الانتقالي، وتشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة.

وانتخاب الشيخ شريف بأغلبية كبيرة رئيسا للصومال. غير أن المعارضين في «أسمرة» رفضوا ما توصل إليه المفاوضون في «جيبوتي» وقرروا القتال لإسقاط الحكومة الجديدة بتحالف معارض جديد بين ما يعرف بحركة «شباب المجاهدين والتحالف الإسلامي» بحجة أن ما تم التوصل إليه في جيبوتي هو إرادة أميركية وأوروبية، مما أدى لتفجر الأوضاع الدموية في مقديشو وفي الصومال من جديد !!.

وقد وجه الرئيس شريف شيخ أحمد دعوته لاخوة الأمس للحوار والوئام حول رؤية مشتركة، والمشاركة في الحكومة الانتقالية، وأبدى حسن نيته تجاه معارضيه أكثر من مرة بل واستجاب لما اشترطته المعارضة من إقرار قانون تطبيق الشريعة الإسلامية، غير أن دعوة الحوار بالسياسية لم تجد ردا من المعارضة سوى الحوار بالنار!

ولم تجد نداءات أشقاء وجيران الصومال، ومساعي الوساطة التي قام بها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين واتحاد علماء الصومال بتحريم الاقتتال والسعي للحوار والاحتكام إلى تعاليم الإسلام فيما شجر من خلافات سياسية تحولت إلى مواجهات دموية مؤسفة بين أخوة الأمس وأعداء اليوم، يدفع ثمنها الشعب الصومالي المنكوب موتا ونزوحا ورعبا وتشريدا في عودة لدوامة الاقتتال الجهنمية من جديد.. الا من تحكيم للشرع والعقل لوقف تلك المأساة الإنسانية ؟!

mamdoh77t@hotmail.com