تأجلت زيارة الرئيس المصري حسني مبارك للولايات المتحدة الأميركية التي كانت مقررة هذا الأسبوع بسبب حداده على وفاة حفيده، وهو ما يعيدنا إلى ما سبق أن طرحناه من ضرورة تشكل فريق عربي على أعلى مستوى لإدارة الصراع في هذه المرحلة الدقيقة التي تتم فيها بلورة مخططات الإدارة الأميركية الجديدة للمنطقة وتوضع الخطوط النهائية لمبادرة جديدة بشأن تسوية القضية الفلسطينية، ربما تبدأ عملية إطلاقها من خطاب الرئيس الأميركي في القاهرة في الرابع من الشهر المقبل.

كانت زيارة الرئيس المصري الملغاة تمثل فرصة مهمة للتأكيد على الخطوط الأساسية للموقف العربي قبل إطلاق المبادرة. ورغم أن الرئيس الفلسطيني سيلتقي بأوباما قبل خطابه بالقاهرة، إلا أن الوجود العربي ينبغي أن يتكثف في هذه المرحلة على الساحة الأميركية ليس فقط لأنهم سيكونون طرفاً أساسيا في أي حل مقترح، ولكن الأهم الآن هو تعويض الضعف الكبير في موقف أبو مازن الذي يذهب إلى واشنطن وهو حتى لا يتمتع بالتأييد الكامل من «فتح» نفسها!!

ولا ينبغي هنا أن ننام مطمئنين على تسربيات الخلاف بين أوباما ونتانياهو، ولا على القلق الإسرائيلي من المبادرة المرتقبة، والانزعاج من تخلي إدارة أوباما عن التنسيق المسبق حولها مع إسرائيل..

وهو ما يحدث للمرة الأولى، والحديث عن مرحلة جديدة في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب لا تتطابق فيها المصالح. كل هذا قد يكون صحيحاً بدرجة أو بأخرى، ولكنه لا يعني أن الموقف الأميركي يمكن أن يساوي بين إسرائيل والعرب، ولا يعني أن واشنطن يمكن أن تتخلى عن دعم إسرائيل وضمان تفوقها في المنطقة، ولا يعني أن إسرائيل ستقف مكتوفة الأيدي وهي ترى هذه التحولات في السياسة الأميركية، خاصة إذا اكتسبت هذه السياسة تأييداً لدى الرأي العام الأميركي.

لهذا يصبح العرب مطالبين بإدارة على أعلى درجة من الكفاءة لمعركتهم.. إدارة تضع أمامها كل السيناريوهات المحتملة وخطط المواجهة حتى لا يرتد الأمر علينا، لأن الخسارة هنا سيكون ثمنها فادحاً. وعلى سبيل المثال فنحن مطالبون بموقف عربي متفق عليه من قضايا أساسية في مقدمتها :

ـ إن الحديث عن «حل الدولتين» لا ينبغي أن يصبح حديثاً في المطلق، لأن الأمر سيكون بلا جدوي، بل وسيكون في غير صالحنا بالقطع إذا لم يكن قائماً على أن الدولة الفلسطينية المدعومة ستقوم على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 67 بما فيها القدس العربية. وإسرائيل تدرك ذلك ولهذا كان الخلاف الأساسي بين نتانياهو وأوباما خلال اجتماعهما في واشنطون هو حول وقف الاستيطان الذي يعرف نتانياهو أن الإقرار به هو إقرار بان هذه المستوطنات تقام على «أرض محتلة».

ـ إن المطالبة بتنفيذ أي إجراءات للتطبيع بين الكيان الصهيوني مع الدول العربية أمر مرفوض قبل القبول الكامل بالمبادرة العربية والاتفاق على دولة فلسطينية في كامل الأراضي المحتلة عام 67 وحل قضية اللاجئين فالثمن المطلوب باهظ، وهو الآن يتجاوز الدول العربية إلى الإسلامية، وتطبيع العلاقات مع 57 دولة إسلامية (كما أشار لذلك العاهل الأردني ) لا يمكن أن يكون مكافأة مجانية، ولا أن يأتي قبل حصول الفلسطينيين على الحد الأدنى من حقوقهم وهو الدولة في حدود 67 والقدس العربية.

ـ إن مبادرة أوباما المنتظرة ليست «مبادرة عربية» ولكنها في البداية والنهاية مبادرة أميركية تستهدف أولا ـ وقبل كل شيء ـ تحقيق المصالح الأميركية وإذا كان هناك ما يشجع في اعتبار أوباما أن تحقيق السلام في المنطقة هو «مصلحة أميركية» فإن المهم ألا يكون ذلك على حسابنا.

وإذا كان في المبادرة ما لا يرضي نتانياهو وحكومته اليمينية المتطرفة فلا يعني ذلك أن مصلحة إسرائيل ستغيب لحظة عن صانع القرار الأميركي! وحتى إذا جاءت المبادرة بشيء من العدل، فلا أحد يضمن أن ينجح أوباما في فرضها مع ضغوط اللوبي الصهيوني في أميركا ونفوذه الخطير ومع الغياب العربي.. حتى الآن على الأقل !!

ـ ما ينبغي التنبه له جيداً في هذه المرحلة، هو أن تقوم إسرائيل بمحاولة الهروب إلى الأمام بتفجير الموقف في المنطقة. وإذا كان الطريق إلى إيران مسدودا بقرار أميركي !!

وإذا كان تكرار «عملية لافون» التي ارتكبتها في مصر في الخمسينات وتحولت إلى فضيحة بعد كشف أهدافها ومن بينها تدمير علاقات مصر بالأطراف الأجنبية لم يعد أمراً سهلاً لآثاره الخطيرة على علاقتها بأميركا، فإن مناطق الانفجار في العالم العربي عديدة، ووسائل الاختراق التي يملكها الأعداء كثيرة، وفضيحة استمرار الانقسام العربي والفلسطيني تعطي للعدو الفرصة.. فانتبهوا أيها السادة !!

كاتب صحافي مصري

elsadattt@hotmail.com