الصراع الدموي على النفوذ والسلطة ليس بضاعة طارئة في الصومال. جولاته تتوالى، منذ أواسط تسعينات القرن الماضي. موجات العنف وفوضى السلاح، التي ورثت انهيار الحكم، صارت نمط حياة؛ في هذا البلد الممزق على نحو لا مثيل له.

نزيفه تركه أشلاء. الجولة الجديدة من القتال في شوارع العاصمة الصومالية امتداد لهذا المشهد. لكنها بظروفها، المحلية والإقليمية، أبعد وأعمق خطراً. ليس فقط لأنها تهدّد بإعادة هذا البلد إلى المربع العبثي الأول. بل أيضاً لأنها قد تقضي على فرصة واعدة، ولدت مع الوضع الحكومي التوافقي؛ الذي قام مؤخراً. ولادته جاءت بعد مخاض طويل وصعب. فالوصول إلى قدر من التلاقي والتفاهم، على اختيار رئيس، كما على صيغة لإحياء المؤسسات، ولو في أدنى الحدود؛ بحدّ ذاته انجاز وربما اختراق؛ في حالة مثل الصومال.

مع الصراعات المتعاقبة على امتداد عقد ونصف العقد والانكشاف على الخارج، تحوّل البلد إلى ساحة سائبة. صار خريطة من الجزر والمربعات، التي تحكمها قوى الأمر الواقع. العاصمة، طالما تبادلتها الأيدي، مراراً وتكراراً. فضلاً عن القوات الأجنبية التي دخلتها، لتخرج منها وتتركها أكثر تمزقاً.

وضع مأساوي متروك، أدّى تجاهل العالم له إلى تفاقم أزمته وبلوغها حدّاً مفجعاً، لا مثيل له في عالم اليوم. بل أدّى إلى نشوء ظاهرة القرصنة، التي شغلت العالم، في الآونة الأخيرة. فائض العنف على الأرض، في ظل الفوضى والبؤس؛ تمدّد إلى البحر. تضافرت محاولات ومساعي، محلية وإقليمية؛ وأنتجت التوافق الأخير؛ الذي نفخ شيئاً من الحياة في شرايين السلطة المركزية.

بداية قابلة للتطوير. خاصة في ضوء تصنيفها في خانة الاعتدال المقبول من معظم القوى؛ كما من المنظمات الإقليمية، كالجامعة العربية؛ التي أبدت دعمها للوضع الجديد؛ لما يختزنه من إمكانية، لإعادة البلد إلى سكّة الدولة والمؤسسات. لكن سرعان ما عادت حليمة إلى عادتها القديمة. من جديد ظهرت حركات التمرد على الساحة. اكتسحت مناطق واسعة من البلاد، لتدخل مؤخراً إلى مقديشو.

دورة جديدة من الصراع الدموي العبثي، على النفوذ والسلطة، صحيح أن الحكومة لا تسيطر أصلاً سوى على قسم من العاصمة. لكن لوجودها رمزيته، في هذا البلد الذي أوقعه غياب الدولة، منذ أواسط التسعينات؛ في متاهات الضياع.

مجرد الشروع في العودة إلى لملمة البلد والتفافه حول صيغة ما هو خطوة جديرة بالدعم والاحتضان؛ سواء من خلال تمكين وتعزيز قوات الوحدة الإفريقية الموجودة على الأرض الصومالية، كما من خلال المؤازرة العربية. الانهيار في هذه اللحظة في الصومال وصفة لصداع كبير في المنطقة.