إن فوز سيدات في الانتخابات المباشرة التي جرت في إحدى دول مجلس التعاون، يؤكد على حقيقة، أن الوعي الاجتماعي بأهمية المرأة، قد انتشر في العديد من تلك الدول قبل الإمارات والكويت وسلطنة عُمان.

وهي تمثل اعترافاً سياسياً بدور المرأة في الحياة سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية. تلك المرأة التي قامت بحرق العباءة في خمسينات القرن الماضي، وحملت السلاح جنباً إلى جانب الرجل ضمن حركات التحرير، وهي التي أكدت أن الإنسان في المنطقة، سواء أكان ذكراً أم أنثى، هم مواطنون يؤمنون بحقوقهم ويؤدون واجباتهم على أكمل وجه.

إلاّ أن هنالك ظروفاً موضوعية، وربما ذاتية، حالت دون التطور الطبيعي للمجتمع، ومنها بعض العادات والتقاليد ذات الجذور الجاهلية أو بفعل الاستعمار الذي لم يعمل بشكل جدي ولو مرة واحدة ليدفع مسيرة المرأة نحو الأمام، وعمل على تهميش دور المرأة وتجهيلها، ولم يسع يوماً لفتح مدرسة لتعليم المرأة التي كانت ترزح تحت كابوس الأمية، أو أن هناك قوى اجتماعية ساهمت الظروف السياسية والاجتماعية في بروزها كقوى مهيمنة على التعليم والإعلام وعلى المنابر بشتى الطرق.

ولقد استطاعت تلك القوى المحافظة بمفهومها الاجتماعي أن تعيق التطور منذ العقد السابع من القرن الماضي، وعلى سبيل المثال عندما بدأت حركة الاختلاط في جامعة الكويت، والتي انتصرت فيها قوى عديدة واستخدمت فيها كل الوسائل لإعادة المرأة إلى البيت، مستغلة بذلك الثقافة السائدة، وخاصة في مراحل تدهور الثقافة العربية والإسلامية مجازاً.

وإدراك أن استغلال منابر الأمة وهي المجالس الوطنية أو الأمة أو الشورى، هي فرصة من أجل فك الحصار عن مسيرة التقدم والتطور للمجتمع، تمت محاربة العناصر الوطنية والقومية والليبرالية، وتم ذلك من خلال تحالفات مرحلية بين العديد من القوى السياسية ولكن بأهداف مختلفة، وحسب مدى تطور التجربة السياسية لكل دولة من دول المنطقة.

وكم من خطيب استخدم كل الوسائل الإعلامية لتشويه سمعة القوى الوطنية، وخاصة في النواحي الأخلاقية دون أن يقترن بين تحرر المرأة وتقدمها ومشاركتها، وخروجها عن القيم الأخلاقية السائدة التي يمكن أن نقول إن المرأة المتميزة من أكثر الناس تمسكاً بها.

فقد أطلقت الاتهامات بشكل حرك مشاعر عامة الناس، ممن كانوا يقدسون أولئك الأفراد، والذين لم تردعهم أخلاقهم ووظائفهم الاجتماعية ممن يفترون على المرأة، وادعى بعضهم أنهم قد انخرطوا في تنظيمات غير الإسلام السياسي، وربما يتذكر من عاش في سبعينات أو ثمانينات القرن الماضي، تلك الخطب، والتي يمكن القول، حدث العاقل بما لا يليق، فإن صدق فلا عقل له!!

كان الهدف الأساسي لقوى الإسلام السياسي، سواءً من الإخوان المسلمين أو السلف أو غيرهم من القوى الانتهازية، ضرب التطور الديمقراطي، والتقدم في هذه المجتمعات، آخذين بعين الاعتبار أن الدساتير التي أقرت في هذه الدول، هي نقلة نوعية من المجتمع المعتمد على العادات والتقاليد والأعراف، وهي في مجملها غير مكتوبة، إلى دستور ينظم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويحدد الواجبات والحقوق، وهو ما عرف منذ عقود بالعقد الاجتماعي منذ جان جاك روسو.

كان الهدف الأساسي لتلك القوى، إثارة القضايا التي عانت منها المجتمعات العربية والإسلامية لعدة قرون، وطرحت نفس الأسئلة حول الاختلاط، وعمل المرأة، وافتعال معارك وهمية تساهم في شق صفوف الأمة، بل تخلق قنابل لتفجير المجتمع من الداخل، وظلت المعركة الكبرى ضد المرأة تحديداً.

وذلك انطلاقاً من أفكار تنظر لها نظرة دونية، وللأسف الشديد فقد ساهمت بعض النساء بدور لا يستهان به لترسيخ تلك النظرة، ولعل انتشار العديد من المحطات الفضائية ساهم في ذلك، ومن هنا تعطل نصف المجتمع، ولنا أن نتخيل كيف يساهم ذلك في خلق جيل مشوه تماماً في تعامله مع النصف الآخر. وبلا شك أن معظم قاعات الجامعات قد استغلت في ترسيخ ذلك المفهوم الأعوج!!

إن أقرب نموذج لما سبق ذكره، يمكن الحديث عنه بشكل واضح، تجربة دولة الكويت، وهي الدولة الأولى على مستوى دول مجلس التعاون التي وضعت مسألة الديمقراطية أو المشاركة السياسية، موضع التطبيق منذ استقلالها نتيجة لعوامل داخلية وخارجية. وبمقارنة أوضاعها في مرحلتين تؤكد أن التيار ذو الاتجاه الإسلامي السياسي، كان العصا التي وضعت لإعاقة عجلة التنمية والتقدم، وفي الوقت ذاته أعطت نموذجاً يؤكد على أضرار الديمقراطية، وجعلت العديد من الدول تخشى بل وتتحاشى الدخول في نفس المجال.

لقد أكدت الانتهازية السياسية لتلك القوى نموذجاً لمخاطر استغلال مبدأ الديمقراطية، استغلالاً سيئاً، وافتعال معارك مع الدولة والمجتمع، لاستغلال الدين في كسب عواطف الجمهور وتغييب عقولهم، ولا عجب هنا أن حقوق المرأة السياسية، قد تأخرت في أعرق بلد ديمقراطي على المستوى الخليجي. مما أدى في نهاية المطاف إلى تدخل أمير الكويت في مواجهة تلك الخروقات للديمقراطية مؤكداً على تقويم الاعوجاج، ووضع الديمقراطية على السكة الصحيحة.

وهذا أيضاً ما أكده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ورسخه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم سواءً على مستوى المجلس الوطني الاتحادي، أو في مجلس الوزراء.

إلا أن ذلك يطرح سؤالاً هاماً، ماذا ستحقق المرأة من أدوار سواء على المستوى النيابي أو الوزاري بعد أن أصبحت جزءاً في السلطة التشريعية والتنفيذية بل وفي سلك القضاء. إن وصول المرأة هي الخطوة الأولى، ولكن عليها أن تؤدي دورها في العملية التنموية سواءً على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي.

إننا ندرك أن نضالات المرأة على مدى ما يزيد على نصف قرن، هو نضال حقيقي إلا أن المعركة الحقيقية قد بدأت منذ الآن. صديقي اللدود يبرز من جديد ويقول ها قد تحققت أحلامك وأرجو أن لا تصبح من تؤمن بها مقعداً بلا روح أو حياة. وهي الطامة الكبرى.

رئيس وحدة الدراسات ـ البيان

almutawa_mohammed@hotmail.com