الآن أصبحنا أمام لوحة سيريالية فلسطينية بكل ما في الكلمة من معنى: حوار فصائل في القاهرة انتهى إلى لا شيء، رغم أنه قد يكون المحاولة الأخيرة لرأب الصدع الفلسطيني، وحكومة في غزة ـ توصف غالبا بالمقالة ـ لا تعترف بها حركة فتح، وحكومة جديدة في الضفة الغربية شكلها أبو مازن بقرار أغضب حركة حماس كما هو متوقع، لكن الجديد أنه دفع قيادات في حركة فتح إلى خندق معارضة رئيس السلطة الفلسطينية في سابقة هي الأولى من نوعها.
وحكومة سلام فياض يمكن اعتبار تشكيلها ـ على هذا النحو وفي هذا التوقيت ـ «رصاصة الرحمة» في رأس الحوار الفلسطيني الفلسطيني. والرصاصة أطلقها رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الذي انتهت ولايته الدستورية ولم يتم انتخابه ليستمر في منصبه ولم يتم انتخاب غيره ليحل محله. أي أن الفلسطينيين أصبحوا في مواجهة أزمة مشروعية مزدوجة: مشروعية إجراءات ومشروعية قيم معا!
والسجال حول مشروعية القيم أشاع خطاب التخوين وتبني الأجندات الأجنبية، وهو خطاب متبادل أثار الكثير من الغبار حول ادعاء كل طرف أحقيته في أن يكون «ممثل الشعب الفلسطيني»، فلا حركة فتح بقيت قادرة على «احتكار» هذا الوصف، ولا هي نجحت في استيعاب «الفصائل»، ما يعني أنها فشلت في اختبار «الداخل». أما حماس فحصلت على تفويض فلسطيني بصندوق الانتخابات لكنها فشلت في اختبار الخارج.
ومن الناحية الإجرائية لم يتم الحفاظ حتى على دورية انعقاد المجالس التمثيلية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه ما زالت المطالبات بإصلاح منظمة التحرير موضوع شد وجذب، وأصبح هناك تنازع حتى على تمثيل حركة فتح نفسها!
والمثير أن تشكيل حكومة برئاسة فياض بالتحديد كانت موضع اعتراض من حركة حماس، فإذا بها تتحول لموضوع اعتراض داخل حركة فتح نفسها، فأصبحت حكومة لا تتمتع لا بشرعية إجرائية ولا قيمية، وبعد طول انتظار لحكومة وحدة وطنية جاء المخاض بحكومة ينذر تشكيلها بتحول الاستقطاب الفلسطيني الفلسطيني إلى تشظٍ!.
والمحصلة أن المتاهة الفلسطينية، في وقائعها أصبحت تشبه انحدار صخرة من على قمة جبل، لا أحد نجح في وقفها، وهي من ناحية النتائج المترتبة عليها، تزداد تعقدا وخطورة. فلا الظرف الداخلي الفلسطيني يحتمل هذا التدافع بالأكتاف والضرب «تحت الحزام» داخل البيت الواحد، ولا الظرف الإقليمي يحتمل مزيدا من الاستقطابات والمحاور، ولا الظرف الدولي يمكن أن يتسع لمساحة للمناورة واللف والدوران والمراهنة على الوقت.
وعندما تكون غزة تحت الحصار والضفة الغربية تحت الاحتلال وفي كل منهما حكومة فإن الخرق يكون ـ كما يقول المثل العربي ـ «اتسع على الراقع». وقد يكون صحيحا أن أطرافا عربية وإقليمية تؤثر سلبا، بدرجة أو أخرى، على أجواء الحوار الفلسطيني لكن مثل هذا التأثير مرهون في المقام الأول بوجود تصدعات حقيقية في البناء الفلسطيني يتسرب من خلالها مثل هذا التأثير، فهو عامل مساعد وليس فاعلا أصيلا.
والمفارقة أن هذا «التصدع» الفلسطيني إذا قورن بالاختلافات العميقة التي اتسمت بها جماعات الصهاينة الذين أنشأوا إسرائيل فإن المقارنة تكشف العجز الفلسطيني الكبير عن إدارة الاختلافات، فقد كانت الاختلافات بين الصهاينة تشمل اللغة والثقافة والرؤى السياسية و.. ..لكن احترام الإجراءات وفر مناخا صحيا وجعل الاختلافات رصيدا لا عبئا.
وبينما نجحت إسرائيل في تجنب التأثيرات السلبية لكثير من الأحداث الدولية كانهيار الاتحاد السوفييتي والحروب المتتالية في المنطقة، كان تأثير معظم هذه الأحداث على تماسك الصف الفلسطيني سلبيا، ومع كل منعطف كانت المسافة تتسع بين الرؤى وكانت الحلول الوسط تبتعد ومساحات الوفاق تتقلص، حتى وصلنا إلى الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني.
ولأن هذا الخلل عميق فإن مجرد الذهاب إلى الحوار لا يعني حدوث حوار، والضغوط مجرد عامل مساعد وليست «الوقود» الأنسب لإنضاج لحظة وفاق، فالحوار ليس مجرد إجراءات بل قناعة صادقة بالرغبة في الوصول عبر الحوار إلى «لحظة تراضٍ». وعندما يجلس فرقاء إلى مائدة حوار وكل منهم على قناعة بأن الطرف الآخر يخفي خنجرا وراء ظهره، فإن الحوار يتحول إلى نوع من إبراء الذمة. فالكل في الحقيقة هدفه الحقيقي حشر الطرف الآخر في الزاوية الضيقة وإظهاره مسؤولا عن فشل الحوار.
وقد صعقتني المفاجأة عندما رأيت قناة إخبارية تنقل على الهواء مباشرة وقائع إعلان حكومة سلام فياض وكأن الوحدة الوطنية الفلسطينية فخ يسعى فرقاء البيت الفلسطيني للفرار منه.
ولا يعني هذا بالطبع أن سلام فياض بشخصه أو بتوجهاته السياسية موضوع إدانة أو رفض، بل يعني أنه أصبح رمزا لرغبة متعمدة لدى حماس وأبو مازن في تأكيد التصدع وتكريسه والإلحاح على معالم الخلاف والشقاق بدلا من مساحات الاتفاق. والجديد في مشهد ولادة هذه الحكومة كان تضاؤل نصيبها من التأييد لتتحول من «حكومة وفاق وطني» إلى «حكومة انشقاق وطني» بامتياز!
وليهنأ الفلسطينيون فقد أصبح لديهم بعد أكثر من ستة عقود من النكبات: لاجئون واحتلال وحصار وحكومتان وسلطة وطنية ومنظمة تحرير منقسمة وحوار، أما الباقي فليس مهما!
كاتب مصري