بعد هدوء نسبي واستقرار أمني، شهد العراق عودة غير طبيعية للتفجيرات في بغداد ومدن أخرى، حصدت مئات المدنيين، وفق برنامج أخذ بعدا خطيرا في الأسابيع الأخيرة، قبيل الانسحاب الأميركي المرتقب من المدن العراقية نهاية الشهر المقبل، وبات من المؤكد أن الجهة التي نفذت التفجيرات الأخيرة لا تخدم مبدأ الانسحاب، وعلى العكس، تصب في غير صالح المنادين بخروج المحتل بالتشكيك في قدرة القوات العراقية على تسلم المهام الأمنية.
إن ما حدث في الاسابيع الماضية من تفجيرات في بغداد والموصل وديالى هي افرازات لحالة أمنية سابقة، ومحاولات فاشلة من قبل تنظيم القاعدة وبعض المتطرفين لاثبات وجودهم أو إعطاء رسالة يريدون من ورائها أيضا بث الرعب والخوف في نفوس العراقيين، الذين بدأوا ينظرون بكثير من التفاؤل للتطور الأمني، وأصبح بإمكانهم التمييز ما بين الوضع السيئ والمربك والذي سيكون غيابه نهائيا عن تفكيرهم.
وما بين ما يرونه حقيقة شاخصة أمام عيونهم بأن عودة الهدوء والاطمئنان بات الأقرب إليهم وهم يتابعون أعمالهم اليومية بشيء بسيط من الحذر وليس القلق. ولا ينبغي أن ينظر إلى الاضطراب الامني الأخير على أنه انتكاسة، بالنسبة للعراق، وضرورة بقاء القوات الأميركية في العراق لضمان الاستقرار، بل بالعكس، فإن التصعيد الأمني اختبار حقيقي للقوات العراقية قبل تسلمها الملف الأمني.
بحيث إنها بدأت تحس بالمسؤولية الملقاة عليها في الحفاظ على المكسب الأمني وتفادي الهفوات السابقة من دون الاستعانة بخذمات القوات الأميركية، وهو تحد جديد سيساهم من دون أدنى شك في إعادة الثقة للعراقيين في قدرة بلادهم على حماية أمن العراقيين.
ويؤكد مسؤولون عسكريون كبار في الولايات المتحدة أن مظاهر غياب قواتهم من شوارع بغداد، والوجود المكثف لأجهزة الأمن العراقية يبين حقيقة أن الوضع الأمني في العراق لم يعد مبعث خوف للفترة التي تعقب انسحاب القوات الأميركية إلى قواعدها في بغداد والمحافظات، وأن تخوف البعض من تزايد هجمات القاعدة وعودة أعمال العنف ستكون محدودة بما لا يؤثر على النجاحات الأمنية التي تحققت في العراق بعد تنفيذه عددا من العمليات لإعادة فرض القانون وحجمت مظاهر العنف سواء الداخلي أو العابر للحدود.
ويشكل مشروع الاستنهاض والمصالحة الوطنية العراقية، في المرحلة الراهنة، المرجعية الواعدة، بالنسبة إلى مجمل العملية السياسية وكياناتها في تحديد مستقبل العراق وتطوره اللاحق من أجل إشراك كافة أطياف الشعب العراقي في العملية السياسية، ليس على أساس الطائفية والمحاصصة، التي وصلت بصانعيها إلى طريق مسدود.
