تجمعت على مدى الأيام القليلة الماضية معطيات جديدة حول مسار الحركة السياسية في المنطقة العربية تقود إلى قناعة آخذة في التبلور وهي أن إدارة اوباما عازمة على المضي قدما في حل الدولتين لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي.
لقد أدى هذا إلى انتشار شعور جديد في المنطقة يدفع بالكثيرين نحو التفكير بالأمنيات: «أخيرا جاء من يسمعنا في البيت الأبيض». ترجمة هذا الكلام: إدارة أميركية تختلف مع إسرائيل حول أسس حل الصراع وترى في الرؤية العربية (المبادرة العربية، خارطة الطريق) أساسا صالحا للحل. لا تنسوا بابا الفاتيكان الذي «القي بثقله وراء إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين» مثلما كتب دونالد ماكانتاير في صحيفة الاندبندنت البريطانية في 14 مايو.
أما الترجمة العبرية: «ها قد جاء من يختلف معنا في واشنطن»، ولأن الخلاف بدأ مبكرا بين إدارة باراك اوباما وحكومة بنيامين نتانياهو فقد جاء اللقاء بين الرجلين «وفق التوقعات» مثلما كتب الوف بن في صحيفة «هارتس» الإسرائيلية في 19 مايو. (الوف بن، «لقاء اوباما ـ نتنياهو جرى وفق التوقعات»، المستقبل اللبنانية مترجما عن هارتس، 20 مايو 2009).
يرى بن في مقاله ذاك أن أوباما «ينوي الخروج بمبادرة سلام أميركية جديدة، والتي سيعرضها خلال خطابه بالقاهرة في الرابع من يونيو.. لا شك في أن هذه المبادرة ستتضمن كل الأسس غير المريحة لنتانياهو ـ دولتان، وقف المستوطنات، تفكيك البؤر الاستيطانية».
في مواجهة هذه «الأسس غير المريحة»، فان نتانياهو بدأ بمتابعة المسار الذي اختطته إسرائيل منذ فترة ليست بالقصيرة وهو السعي الحثيث لتحويل الأولويات من الحل النهائي للصراع إلى ما يسمونه «الخطر الإيراني». وقبل وصوله إلى واشنطن، تلقى نتانياهو رسالة واضحة من اوباما تقول: «لا تفاجئنا بهجوم على إيران». هذا المسار الإسرائيلي يعود إلى أمد ليس قصير. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينات القرن الماضي سعت إسرائيل لهدف استراتيجي جديد أول من صاغه وطرحه هو شمعون بيريز عندما أعلن «الإسلام هو العدو الجديد للغرب لأنه يحمل نفس الطابع الشمولي للشيوعية».
ترجمة تلك العبارة هي التي صاغت تاريخ المنطقة والعالم منذ 2001 على الأقل، أي منذ تفجيرات 11 سبتمبر: الحرب على الإرهاب، تحديد التطرف الإسلامي باعتباره العدو الجديد للغرب، لهذا لم يسجل التاريخ الحديث شهر عسل (بل سنوات عسل بالأصح) بين إدارة أميركية وحكومات إسرائيلية متعاقبة أكثر مما سجله في عهد جورج دبليو بوش.
عدا إيران، هناك ورقة مساومة أخرى يمسك بها نتانياهو بقوة هي «يهودية إسرائيل»، أي أنها وطن يهودي خالص. ترجمة هذا الكلام: «لا مجال للحديث عن حق العودة». الدولة الفلسطينية مقابل التنازل عن حق العودة. تذكروا هنا جورج دبليو بوش الذي كان أول من أعلن هذا الشرط نقلا عن الإسرائيليين في مؤتمر انابوليس في نوفمبر 2007. فبعد أن أغدق الوعود بالوصول إلى حل قبل نهاية ولايته، طلب من الفلسطينيين والعرب أن يقبلوا بهذا الشرط مقابل إقامة دولة قابلة للحياة.
قد يخبئ نتانياهو هذه الورقة لبعض الوقت، لأن الورقة الأكثر تأثيرا هي ورقة الملف النووي الإيراني. هنا ليست إسرائيل وحدها التي ينتابها القلق (كوابيس بالأصح) من احتمالات تحول إيران إلى قوة نووية، بل انه قلق يشترك فيه العالم الغربي بأسره والدول العربية أيضا (بدرجات متفاوتة). أي بعبارة أخرى، فان الملف النووي الإيراني في طريقه لان يتخذ نفس المسار الذي أخذه ما كان يسمى ذات يوم «البرنامج النووي العراقي».
بناء الضغوط وتصعيدها والمفردات والحركة الدبلوماسية والتراشق بالبيانات والتصريحات، كله يذكرنا بالقصة التي جرت مع العراق. وحتما ستدركون أن التاريخ يعيد نفسه عندما تستوقفكم تصريحات كهذه: «تهديد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عام 1989 لإسرائيل بإحراقها بالكيماوي المزدوج» وتصريحات الرئيس الإيراني احمدي نجاد حول حتمية زوال إسرائيل وتلك التصريحات الأخف حول الهولوكوست.
بالطبع، كثيرون سيخلصون إلى الاستنتاج نفسه: أن الرجلين وفرا لإسرائيل الذرائع والمبررات لإضفاء صدقية على تلك الإستراتيجية القائمة على تحويل الأولوية من حل الصراع والتهرب من استحقاقات السلام إلى مواجهة خطر آخر. خطر من شأنه دفع السلام واستحقاقات السلام إلى الوراء. إسرائيل ستسلك نفس المسار رغم التباين الواضح في الموقف بين نتانياهو وإدارة اوباما.
حسب الكاتب الإسرائيلي عكيفا الدار فان التباين واضح: «..إذا لم يكن ثمة مفر من استخدام القوة ضد إيران، فإن أوباما معني بفعل ذلك بغطاء ائتلافي إقليمي ودولي واسع قدر الإمكان. لذلك، يتعين على إسرائيل أن تتكيف مع الأفق السياسي الجديد، وأن تدفع الثمن بالعملة الصعبة من الأراضي». (عكيفا الدار، «أفق سياسي جديد»، المستقبل اللبنانية مترجما عن «هارتس» 19 مايو 2009).
ألا يذكركم هذا بشيء؟ انه يذكرنا بالتحالف الدولي الذي بنته واشنطن لطرد العراقيين من الكويت. تلك كانت أياما عصيبة لإسرائيل التي لجمتها واشنطن عن أي تصرف يؤثر على تحالفها مع الدول العربية في ذلك الوقت. انه يذكرنا بزعيم إسرائيلي آخر هو اسحق شامير الذي كان يرأس حكومة إسرائيل وقتذاك. الفارق بين شامير ونتانياهو ليس كبيرا إلا في أن الأول لا يجيد حركات العلاقات العامة التي يجيدها الثاني.
لكن حرب تحرير الكويت، أفضت إلى اختراق تاريخي هو بدء مفاوضات السلام في مدريد عام 1991 التي جر فيها جورج بوش الأب شامير جرا من أذنه مثل بغل عنيد إلى ذلك المؤتمر، وفيما بعد قال هذا عبارته الشهيرة من انه كان ينوي التفاوض والمماطلة لعشر سنوات.
أسوأ ما في الأمر هنا أن النسخة الثانية من الحدث التاريخي تأتي مشوهة دوما. ترجمة هذا الكلام قد تعني: مغامرة إسرائيلية بضربة عسكرية لإيران تقلب الوضع رأسا على عقب وتضع اوباما أمام تحد مضاعف خصوصا إذا ما حولت إسرائيل الأمر إلى مسألة بقاء.
كل هذا وأولئك الذين يتفاوضون في القاهرة مختلفون على تقاسم السلطات والأجهزة إلى الحد الذي استثاروا فيه غضب مضيفيهم المعروفين بالكياسة والهدوء.. بعبارة أخرى: «لا تبتسم.. أنت في الشرق الأوسط».
كاتب وصحافي بحريني