قليل من التجارب البرلمانية في الوطن العربي هي التي تميزت عن غيرها بالفاعلية والرسوخ نتيجة الاستمرار والتطور، ومن أبرز هذه التجارب البرلمانية التجربة الكويتية والتجربة اللبنانية..
والتجربة البرلمانية الكويتية هي التجربة الأسبق في دول الخليج العربية، وهى التجربة الأكثر فاعلية وحيوية بين التجارب البرلمانية العربية، ولأن الممارسة البرلمانية على مدى السنوات الماضية كانت من القوة بحيث كانت الاستجوابات سببا في إقالة الحكومات أو حل البرلمانات طغى على العلاقة بين البرلمان والحكومة في السنوات الأخيرة سمة الأزمة،مما دعا إلي إعادة إجراء الانتخابات لثلاث مرات للخروج من الأزمات السياسية.
ورغم الريادة بالسبق والممارسة للتجربة البرلمانية الكويتية، فلقد شاب التجربة أن المرأة الكويتية كانت داخل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكنها بقيت حتى سنوات قليلة خارج الحياة البرلمانية، ولم تحصل على حقها في الترشح لانتخابات مجلس الأمة إلا مؤخرا،لكن اللافت أنه برغم تعديل القانون أخيرا بعد نضال طويل لإتاحة الفرصة لها للمشاركة في الانتخابات البرلمانية إلا أن أي امرأة كويتية لم تفز بمقعد واحد في الانتخابات الماضية لأسباب اجتماعية وقبلية ولتفسيرات دينية كانت محل نقاش.!
ونتيجة لكل ذلك حظيت الانتخابات الكويتية الأخيرة قبل الإجراء وبعد ظهور النتائج باهتمام خليجي وعربي سياسي وإعلامي كبير، وبالتالي خضعت نتائجها لقراءات متعددة، غير أنها في معظمها لم تختلف على أن أبرز المتغيرات فيها تمثل في ذلك الاختراق للحاجز الاجتماعي والفكري بدخول المرأة الكويتية إلى مجلس الأمة بالفوز بأربع مقاعد بما يشكل بداية تغير في نظرة الناخب الكويتي نحو أهمية الدور السياسي للمرأة الكويتية.
وربما كان وصف «التجديد» وإعادة الترتيب بعد عملية الفك والتركيب هو الوصف الأقرب لنتائج الانتخابات البرلمانية الكويتية الأخيرة من وصف «التغيير»، وبدخول أربع نائبات إلى عضوية مجلس الأمة لأول مرة في تاريخ الحياة النيابية في الكويت فإن ذلك يعد تحولا مهما يعكس قبولا تدريجيا لمشاركة المرأة الكويتية في الحياة السياسية عموما والبرلمانية خصوصا.
وهنا أيضا ربما يكون وصف «التحول» هو الأقرب من وصف «التغيير»، ذلك أن ما حدث من تغييرات على الأعداد والأشخاص في مقاعد النواب، وما دخل من وجوه جديدة وخروج وجوه أخرى لم تلغ الخريطة التمثيلية للتيارات والكتل السابقة بقدر ما أعادت ترتيبها وتحجيمها، غير أن هذا البرلمان بهذه التعديلات الجديدة لاشك يؤشر لمرحلة جديدة من مراحل تطور التجربة الديمقراطية الكويتية.
مع ذلك وفي عموم التجارب الديمقراطية العربية يبقى هناك فارق كبير بين الديمقراطية وبين الحرية، وبين الحياة الديمقراطية وبين الحياة النيابية، وبين الديمقراطية الشكلية والديمقراطية الفعلية، ويحضرني هنا قول الدكتور سليم الحص رئيس الحكومة اللبنانية لخمس مرات على مر العهود منبر «الوحدة الوطنية» وأبرز من يعبر عن «ضمير لبنان»، لدينا في لبنان كثير من الحرية وقليل من الديمقراطية، برلمانات تمثيلية لا برلمانات ديمقراطية لأسباب طائفية.
وقد تكون الممارسة الديمقراطية غير سليمة أو غير حقيقية حينما تتغول السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، أي حينما يكون الرأي للنواب والقرار للحكومات، أو حينما تحكم ديكتاتورية الأغلبية لتيار معين، أو تتحكم دكتاتورية الأقلية في الممارسة البرلمانية، وقد يكون التمثيل النيابي غير معبر عن كل قطاعات وجميع تيارات المجتمع لأسباب اجتماعية أو سياسية أو طائفية أو مذهبية.. الأهم في الديمقراطية ضمان المشاركة الشعبية الحقيقية بحيث تكون السلطة الشعبية هي صانعة القرار.
كاتب مصري