استحوذت الأزمة المالية العالمية وما زالت تستحوذ على اهتمام مختلف وسائل الإعلام في دول العالم نظرا لانعكاساتها وتداعياتها على شعوب المعمورة قاطبة. الإعلام العربي تفاعل وتعاطى مع الأزمة وحاول أن يشرحها ويفسرها ويقدمها للرأي العام العربي والجمهور العربي الذي من حقه أن يعرف ما هي انعكاسات هذه الأزمة على اقتصاد بلاده وعليه بالدرجة الأولى.
إلى أي مدى نجح الإعلام العربي في إيصال المعلومة إلى الجمهور العربي؟ وهل هناك بالأساس إعلام عربي متخصص في الاقتصاد والمال؟ هل اعتمد الإعلام العربي في تغطيته للأزمة المالية على وكالات الأخبار العالمية والدراسات والتحليلات الغربية أم أنه اعتمد على خبراء ومحللين عرب.
لا حياة اقتصادية بدون إعلام اقتصادي، ولا نجاح لمشاريع تنموية وللتنمية المستدامة بدون وعي اقتصادي وثقافة اقتصادية من قبل أفراد المجتمع الذين هم بالأساس الفاعلون الرئيسيون في عملية التنمية. فلا نجاح للتنمية والتطور والتقدم بدون أفراد يكونون في مستوى المسؤولية التي تقع على عاتقهم.
فالاستثمار في تنمية الموارد البشرية يعتبر الاستثمار الرئيس والأساس لنجاح أية عملية تنموية واقتصادية. يعتبر الإعلام الاقتصادي حجر الزاوية في تهيئة الأجواء اللازمة والضرورية للحركة الاقتصادية الناجحة في المجتمع حيث أنه يعمل على توفير البيانات والمعلومات للعامة والمتخصصين سواء تعلق الأمر بحركة الاستثمار، المجالات الاقتصادية المختلفة، القوانين، إجراءات إنهاء المعاملات، أخبار الأسهم والبورصات وأسعار صرف العملات.. الخ.
كما يعّرف الإعلام الاقتصادي بالحركة الاقتصادية في الدولة والعالم. ومن أهم وظائف الإعلام الاقتصادي نشر الوعي والثقافة الاقتصادية في المجتمع كالتعريف بالقوانين والتشريعات والإجراءات التنظيمية (الضرائب، الأسعار، الأرباح، الفوائد، السندات، الاحتكار، الغش، التقليد، التهريب، التسويق...الخ) حتى يستطيع الفرد أن يعرف حقوقه وواجباته. من هنا يأتي الدور الاستراتيجي للإعلام الاقتصادي في التنمية الشاملة وفي ربط رجال الأعمال والاقتصاد والمؤسسات ببعضها البعض وبالجمهور.
فالوعي الاقتصادي والثقافة الاقتصادية هما ركيزتان أساسيتان لنجاح العملية الاقتصادية والتنمية المستدامة في المجتمع. فمن أهم وظائف الإعلام الاقتصادي التغطية الشاملة والوافية والدقيقة للأحداث الاقتصادية محليا وإقليميا ودوليا؛ طرح مختلف وجهات النظر والآراء حول المسائل الاقتصادية وتكوين آراء ومواقف مبنية على معلومات سليمة وتحليلات ودراسات؛ تقديم الأطر والخلفيات والتفسيرات الضرورية لفهم القضايا الاقتصادية في سياقها السليم؛ نشر الوعي والثقافة الاقتصادية حتى تساهم الفئات الاجتماعية المختلفة في الفعل الاقتصادي وفي القرار الاقتصادي السليم والرشيد.
ومن وظائف الإعلام الاقتصادي كذلك الكشف عن التجاوزات والأخطاء والمعوقات التي تعترض سبل نجاح التنمية والتطوير في المجتمع كسوء الإدارة والتسيير وضعف القرار الاقتصادي والفساد المالي وسوء استغلال الموارد المادية والبشرية. وأخيرا يسهر الإعلام الاقتصادي على المساهمة في دعم البرامج الاقتصادية ومشاريع التنمية المستدامة من خلال تقديم رسالة إعلامية اقتصادية مبنية على المهنية والحرفية والاستقصاء والنقد العلمي والبناء للخطط والمشاريع التنموية من أجل تكوين الإنسان الاقتصادي الواعي والمبصر لمصيره ومستقبله الاقتصادي.
يشير واقع الإعلام الاقتصادي في العالم العربي إلى بعض مواطن الضعف والسلبيات حيث نلاحظ ضعف الأداء وغياب التخصص وكذلك قلة المجلات والصحف الاقتصادية المتخصصة على غرار الدول المتقدمة والدول التي تولي أهمية كبيرة للثقافة الاقتصادية وللوعي الاقتصادي.
فالمؤسسة الإعلامية في الوطن العربي بحاجة إلى إعلاميين متخصصين في الاقتصاد ولديهم خبرة وتجربة ومعرفة تامة بالشؤون والقضايا الاقتصادية. والأمر هنا لا يسمح بالارتجال وبكتابة العموميات والسطحيات والاكتفاء بالبيانات الصحافية وتقارير المؤسسات وشركات العلاقات العامة.
كما أنه لا يقتصر على الترويج للمؤسسات والشركات بقدر ما هو بحاجة إلى بحث واستقصاء وتقييم مبني على مهنية وحرفية عالية. فالاقتصاد هو علم وممارسة في الميدان له أسسه وقوانينه ونظرياته يقوم على استراتيجية في الرؤية وفعالية في الأداء. كما يلعب الإعلام الاقتصادي دورا استراتيجيا في غرس ثقة الناس في السوق وفي الاقتصاد.
تتطلب تحديات التنمية المستدامة في العالم العربي صحافة اقتصادية قوية، فاعلة وناقدة وهذا يستدعي تحرير المؤسسة الإعلامية من القيود والضغوط المهنية والتنظيمية وحماية الصحافي حتى يجرؤ على النقد والاستقصاء وكشف الأخطاء والتجاوزات والسلبيات. فالمشكل الرئيس الذي تعاني منه الصحافة الاقتصادية في العالم العربي هو الرقابة الذاتية، والتي مع الأسف الشديد، تقتل روح العمل الصحفي المسؤول والملتزم والهادف.
والواقع أن الرقابة الذاتية هي العدو اللدود للإبداع ولصحافة الاستقصاء والنقد والتقييم والعدو اللدود للعمل الحر والمسؤول. تحديات الصحافة الاقتصادية العربية تتمثل في تغيير الدهنيات والخروج من دروب الروتين وتبرير الموجود. فإشكالية الصحافة الاقتصادية يجب أن ينظر لها على المستوى الكلي وليس الجزئي، أي من خلال النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وكذلك من خلال النظام الإعلامي ككل.
فمشكلة الصحافة الاقتصادية لا تختلف كثيرا عن مشكلة الصحافة السياسية ومشكلة الصحافة الثقافية ومشكلة النظام الإعلامي ككل. وهذا يعني أن هناك مشكلات جوهرية تتعلق بماذا نريد من النظام الإعلامي؟ التبرير والتنظير للواقع، أم النقد والتقييم من أجل تغيير الواقع.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة
