تعتبر التجربة النيابية الكويتية والديمقراطية في هذا البلد بصورة عامة غنية بإنجازاتها وكذلك بسلبياتها وإخفاقاتها وبعد ذلك طبيعياً في ممارسة مثل تلك التجارب في عالمنا العربي وفي العالم الثالث عامة. لقد مرت التجربة الكويتية بمرحلتين رئيسيتين مرحلة الستينات والسبعينات من القرن العشرين.
حيث رسخت التجربة قيماً جيدة وحققت مكاسب مهمة مثل السيطرة على الثروة النفطية واستقلالية القرار والتأمينات الاجتماعية والحريات الخ لكن في المرحلة الثانية التي امتدت من بداية الثمانينات من القرن العشرين حتى الآن شهدت التجربة الديمقراطية الكويتية الكثير من السلبيات والإخفاقات ودون الدخول في تفاصيلها لم نلمس إنجازاً مهماً في هذه المرحلة، وأسباب ذلك كثيرة لا مجال هنا في الدخول فيها، ولكن أبرزها هي الفئوية وظاهرة القبلية والطائفية.
فبدأت ما يسمى بالانتخابات الفرعية وهي تصفيات قبلية وطائفية قبل الانتخابات العامة وسلبياتها الأساسية هي تهميش الأقليات القبلية وغيرها في المناطق الانتخابية وإقصائها، ولما كانت القبائل لها ثقلها العددي في عدد من المناطق الانتخابية فإن ذلك يعني نجاح عدد كبير من النواب القبليين في مجلس الأمة.
وقد يكون أغلبهم لا تتوفر فيهم الكفاءة للتشريع والرقابة والثقافة السياسية لهذه المهمة لكن (فزعة) القبلية أوصلتهم إلى المجلس، وساعد على ذلك اعتبارات عديدة منها قانون الدوائر الانتخابية السابق واللاحق الخمس وعشرين دائرة والخمس دوائر.
والجدير بالذكر حتى العناصر القبلية الجيدة قد حرمت من الترشيح سواء من جرب الانتخابات الفرعية ولم يحالفه الحظ أو من لم يدخل تلك الانتخابات لعدم قناعته فيها فكان مصيره الحرمان من دخول الانتخابات العامة أو تكتل الأكثرية القبلية ضده.وبمراجعة تجربة مجلس 2008م الذي تم حله حلاً دستورياً كانت الأغلبية فيه للجماعات الدينية والقبلية لكن أداء ذلك المجلس كان رديئاً باعتراف العديد من نوابه.
ودخلت ظواهر غريبة لم تعهدها التجربة الديمقراطية في الكويت في المرحلة الأولى السابق ذكرها مثل شراء الأصوات، والانتخابات الفرعية القبلية والطائفية على الرغم من قانون تجريمها. ولا بد هنا من توضيح ما ذكرناه عن حل مجلس الأمة دستورياً وما هو الحل غير الدستوري.
ينص الدستور الكويتي على أن أمير الكويت يحق له حل مجلس الأمة حلاً دستورياً إذا لم يتوفر التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية أو حدوث ظروف وأخطار تستدعي ذلك على أن تجري الانتخابات خلال شهرين من تاريخ الحل، والحل غير الدستوري لنفس الأسباب هو إجراء حدث في الكويت في عامي 1976 و1986م ولا يحبذ أغلب المواطنين الحل غير الدستوري.
لقد حدث تأزيم في مجلس الأمة الأخير من قبل بعض النواب واستخدموا التهديد بالاستجواب كحق دستوري بصورة متعسفة أحياناً سواء لبعض الوزراء أو لرئيس الوزراء وأدخلوا البلاد في أزمة سياسية ترتبت عليها مشكلات تعطلت فيها التنمية في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
ووجدت بعض العناصر والفئات التي لا تؤمن بالديمقراطية أو تضررت من الحريات والشفافية والمحاسبة فرصتها لتشويه الديمقراطية فشجعت ودفعت بذلك التأزيم حتى تتولد قناعة بأن يكفر المواطنون بها ويمهدون للقضاء عليها ولكن حكمة صاحب القرار فوتت الفرصة على أولئك بالحل الدستوري عسى أن يأتي للمجلس نواب من نوعية أخرى أفضل على الرغم من الاعتقاد بأن قصر الفترة من الحل إلى الانتخابات وبسبب الانتخابات الفرعية القبلية ستعيد بعض الوجوه التي كانت سبباً في التأزيم السابق.
أما دراسة حالة القوى السياسية على الساحة الكويتية ودورها في الانتخابات القادمة فهذه مسألة تشهد تطوراً ربما لا تظهر نتائجه بصورة فعالة في هذه الانتخابات التي ستجري بعد أسابيع ولكن في المستقبل السياسي للبلاد.
تتوزع القوى السياسية في الكويت كالآتي: التيار السلفي والاخوان المسلمين والشيعة بتفرعاتهم ثم التيار الليبرالي الوطني سواء التحالف الديمقراطي والمنبر الديمقراطي والمستقلون.
وما يلاحظ على وضع هذه التيارات هو تراجع التأييد للتيار الديني بحكم التجربة السياسية لنشاطه ونشاط رموزه، وعودة التأييد للتيار الوطني بحماس شبابي يريد التغيير باتجاه الإصلاح والتنمية لكن من الملاحظ على التيار الديني أنه منظم بشكل جيد ويملك التمويل الجيد، وأن ما يسمى بالتيار الليبرالي هو تيار واسع ولكنه غير منظم وغير موحد وغير فاعل، وقد فوت فرصاً كثيرة وهذه المرة أمامه فرصة جيدة فهل يستغلها بذكاء سياسي؟
ولابد هنا من الوقوف عند موضوع حقوق المرأة السياسية في الكويت ودخول المرأة معترك الحياة السياسية والترشيح والانتخاب لمجلس الأمة. لقد كان إقرار قانون الحقوق السياسية للمرأة في الكويت مكسباً مهماً ونقلة نوعية لم تظهر آثارها الايجابية بسرعة بعد إقرار ذلك القانون ولكن بكل تأكيد سيكون للمرأة دوراً في الحياة السياسية في المستقبل حيث لم يقف الأمر عند دخولها الوزارة مؤخراً ولكن أيضاً دخولها البرلمان شأنها شأن الرجل وهي اليوم تخوض الانتخابات النيابية مرشحة وناخبة وستدخل البرلمان كما يبدو من قراءة الساحة الانتخابية.
وعلى الرغم من محاولات استغلال أصوات النساء دينياً وقبلياً إلا أن المرأة تتقدم، ففي الانتخابات الماضية لم يحالفها الحظ في النجاح لعضوية البرلمان لأنها التجربة الأولى لها، وفي هذه الانتخابات التي ستجري في مايو من المتوقع أن تدخل بعضهن إلى البرلمان وربما بعدد قليل، ولكن بكل تأكيد سيكون لها حضورها وتأثيرها في المستقبل.
وبصورة عامة من الصعب تصور نتائج إيجابية وتغيير مهم في الانتخابات القادمة، يمكن القول ان التغيير سيكون في حدود 30% ربما تدخل المرأة البرلمان نائبة في حدود امرأتين لكن على أي حال هناك حراك سياسي واجتماعي مهم تشهده الساحة الكويتية على الرغم من الإحباط والسلبيات التي واجهت التجربة الديمقراطية الكويتية في سنواتها الأخيرة.
كاتب كويتي