منذ أن كنا صغاراً ونحن نسمع عن قصص العفريت والجن الأزرق وأمنا الغوله، وأم الدويس وأبو درياه التي كانت تدور قصصها حول الرعب وتخويف الأطفال. ويعرف كل واحد منهم بأنه مراقب من هؤلاء المخلوقات الغيبية المخيفة، وغالباً عندما نجتمع كان كل واحد منا يؤلف قصصاً من خياله ويحلف ستين يميناً بأنه رأى العفريت أو الجني أو أم الدويس ويزيد بأنه دافع عن نفسه حتى هرب العفريت وخاف من شجاعته.
ما نعيشه الآن يشبه إلى حد كبير هذه الظاهرة، فها هو عفريت الأزمة المالية العالمية الذي خرج كالمارد من باطن أرض (أمنا الغولة أمريكا) وطار حول شتى بقاع الأرض دون استثناء، ولكن لم يبرز أحد، ويقول إنه تحدى العفريت حتى خاف منه، وهرب إلا فيما ندر. ومن سطوة هذا العفريت ظهرت عفاريت صغار في مجتمعاتنا المحلية، وتغلغلت في منازلنا وأصبحت كلمة الأزمة (المسكينة) على لسان كل أفراد الأسرة من الأب والأم والأبناء والخدم والحشم والحجر والشجر، كل يفسر الأزمة من منظوره الشخصي ويرجع كافة أمور حياته إلى الأزمة.
في أواخر سبعينات القرن الماضي سمعنا بأزمة «سوق المناخ الكويتي» التي هزت المجتمع الخليجي وأظهرت لنا نتيجة الجري وراء السراب والوهم وبروز شركات وهمية لا وجود لها إلا على ألسنة المتداولين في السوق، ومثلما ظهر السوق بسرعة البرق وحصد من وراءه الكثيرون من المتعاملين ملايين الدنانير والدراهم فإنه انهار كما انهار برج التجارة العالمي بنيويورك في 11 سبتمبر في عام 2001، ومرت الأيام وتعافى البشر من هذه الأزمة، وظهرت بعدها بعض الأزمات العابرة كأزمة حرب (إيران والعراق) وأزمة احتلال العراق للكويت، ثم عدنا الآن إلى أزمة اقتصادية أشد مضموناً ووقعاً وخسائر مالية لا حصر لها عمت معظم دول العالم لتبين لنا بأن العفريت «أمريكا» كان يراقب الجميع ويقول لهم أني آت عما قريب فلا تضحكوا ولا تنسوا أنفسكم فأنا قريب منكم.
حقيقة أن الأزمة جاءت في وقتها، فجميعنا كان متغافلا ولاهيا في حياته ويركض ويلهث حتى يجمع ثروات لا حصر لها، لا أعرف ماذا سيفعل بها. فأغلب من جمع المال ذهبت أموالهم مع الرياح، وكأنها لم تكن واكتشف في الأخير أنه على بساط الفقر، أخذت المستشفيات تستقبل حالات من مرضى القلب والأزمات النفسية والجلطات وكافة أنواع الأمراض الفجائية لأننا ببساطه لم نعد أنفسنا لاستقبال الأزمة، أعتقد ان خير ما في الأزمة أنها أعطتنا الفرصة لنقول لأنفسنا «قف» إلى أين نحن ذاهبون وماذا نريد من حياتنا اليومية، وما هي تطلعاتنا المستقبلية؟
ونفهم أن الحياة ليست كلها أياما وردية، بل هناك أيام رمادية اللون قد تعصف بنا ولن يتغلب عليها إلا من تسلح باللون الأبيض، فالبياض نقي وشفاف في الحياة، والصدق في التعامل ووضوح الأهداف هو ما نريده لنخرج سالمين بأقل الخسائر. كان وقع الأزمة الاقتصادية العالمية أقل وطأة على دول الخليج عامة ودولة الإمارات خاصة، وإن تخوف وبالغ البعض في وصف تداعياتها، إلا أن سياسة وحنكة القيادة الرشيدة في دولة الإمارات أعطت للأفراد دافعا للتفاؤل لمستقبل أكثر حرصا لمواجهة مثل نموذج عفريت الأزمة.
وأخذنا نسمع في الفترة الأخيرة عن كلمات تداولها بعض الجهات كالمشاريع الصغيرة والمتوسطة والمحافظ الائتمانية والعقارات والاستثمارات وتداول الأسهم والسندات والأسواق المالية، وسيطر حلم الشهرة والغنى على الجميع دون استثناء فأصبح الفقير يسعى وراء الغنى ويضع كل ما لديه في محافظ وهمية ظنا منه بأنه سوف يصبح مليارديرا بمجرد أن يحك مصباح المحفظة وتخرج له الدراهم الرنانة وينسى نفسه في هذا الحلم، كثيرون هم من وقعوا ضحية (كيف تصبح مليونيرا؟) حتى بات الكثيرون لا هم لهم إلا هذا اللقب.
لا ننسى أننا في أبسط أمور حياتنا كنا نسرف ولا نحسب حساب هذا اليوم، وما أن خيم علينا عفريت الأزمة ورسخ جذوره في باطن عقولنا إلا واتخذناها كشماعة نعلق عليها كافة أخطائنا وأخذ العفريت يضحك علينا ويقول (الجزاء من جنس العمل)، كل منا ساهم ولو بجزء بسيط في هذه الأزمة ولكن يحاول إسقاطها على الغير مثل الدول والشعوب الكثيرة التي تسقطها على أمريكا وأمريكا تسقطها على الغش والخداع وغيرها من الإسقاطات. لذا كان لابد لنا من الاستعداد لهذه الأيام.
سؤال وجيه يطرح نفسه كيف سنطرد عفريت الأزمة من حياتنا وننظف عقولنا ونعيش حياة ذات أهداف واستراتيجيات واضحة ولا ننخدع بأمريكا والعالم الغربي؟.
كاتبة إماراتية
