الرسالة الإسرائيلية حيال زيارة البابا، كما نقلتها، بأمانة، الصحافة الفرنسية بكل أطيافها اليسارية منها واليمينية، واضحة لا لبس فيها. الفيغارو اليمينية وليبيراسيون اليسارية والصحف الأقل والأكثر يسارية أو يمينية منهما نقلت تلك الرسالة بالصيغة التالية إجمالا: «لقد خيّبت زيارة البابا آمال الإسرائيليين؛ إنها فرصة ضائعة».

وكانت الصحافة الإسرائيلية قد ركّزت من جهتها بوضوح على كون أن البابا ألماني الجنسية، بل ونشرت صورة له تعود إلى أيام شبابه الأولى وهو يرتدي لباس الشبيبة النازية.

لقد تأمّل الكثير من العرب، بمسيحييهم ومسلميهم، دعما بابويا أكبر للفلسطينيين على قاعدة الإيمان بعدالة القضية الفلسطينية. لكن ورغم القناعة أنه كان يمكن أن يفعل أكثر وأفضل،فإن هذا لا يمنع إمكانية رؤية النصف الملآن من الكأس وليس النصف الفارغ وبالتالي القول إن زيارته إلى المنطقة كانت بالأحرى إيجابية بل وذات دلالة عميقة حول ثلاث نقاط أساسية.

النقطة الأولى تتطلّب بالضرورة أخذ مسافة كافية من المشاعر الذاتية للتمكّن من الرؤية الموضوعية وعدم نسيان أنه رأس الكنيسة الكاثوليكية ذات التاريخ المعقّد مع الإرث اليهودي. مهما يكن من أمر، لا شك أن البابا الألماني الأصل قد قام بزيارة إسرائيل وأدان هناك بشدة رعب المحرقة التي تعرّض لها اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية وطالب بعدم نسيانها أو نفيها.

لكن تلك الإدانة لم تكن كافية بنظر المسؤولين الإسرائيليين. وقال بعض الحاخامات اليهود الذين قاطعوا أصلا الزيارة إن «دموعه لم تكن وفيرة بدرجة كافية».

وأنه «تحدّث عن اليهود القتلى وليس الذين تمّ اغتيالهم»، كما أضاف بعض آخر. وختم الباقي موجة الانتقاد بالقول: «إنه لم يتلفّظ أبدا بكلمتي ألماني أو نازي».

ما تمكن قراءته من هذا هو أن البابا أراد أن يقول قولا محددا وواضحا ومفهوما في إدانة المحرقة دون الوقوع في فخّ الذهاب دائما أكثر فأكثر في التهويل وطلب الغفران مثلما يرغب الصهاينة الذين لن يكتفوا أبدا مهما قيل من إدانة بل سيرددون باستمرار: هل من مزيد؟

لقد تجرأ البابا على أن لا يقول ما كان يريد الإسرائيليون منه أن يقوله؛ هذا في الوقت الذي تلوذ فيه دبلوماسية بلده الأصلي، ألمانيا، بالصمت المطبق بمجرّد ذكر اسم إسرائيل في أي نقاش أو محفل، ولا تزال طريّة في الذهن تلك التصريحات المفرطة في الولاء لإسرائيل التي أطلقتها السيدة ميركل، المستشارة الألمانية، أثناء زيارتها للدولة العبرية قبل أشهر. من هنا يمكن فهم الخلفية الحقيقية للموقف السلبي الذي عبّرت عنه الصحافة الصهيونية حيال الزيارة.

النقطة الثانية تكمن في واقع أن البابا لم يتردد في أن يبدي في الأراضي المحتلّة بوضوح ودون لبس أيضا دعمه للفلسطينيين.

وذلك عندما قال: «من المأساوي رؤية جدران تُشاد في عالم تنفتح فيه الحدود أكثر فأكثر..»، وبالإشارة إلى جدار برلين دون ذكر أسمه أضاف «وعلى الرغم من سهولة بناء الجدران فإننا نعلم أنها لن تستطيع الصمود دائما. إذ يمكن تهديمها». وقال في آخر كلماته عند نهاية الزيارة إن «أحد أكثر ما أثار الحزن لديه» كانت رؤية ذلك الجدار وهو في الطريق بين القدس وبيت لحم.

وكان البابا واضحا وصريحا عندما أعلن عن إحساسه بحالة الحرمان التي يعيشها الفلسطينيون وأبدى تضامنه الحازم معهم فتطلعاتهم المشروعة إلى أماكن إقامة دائمة وإلى دولة فلسطينية مستقلّة ينبغي أن تتحقق، كما قال. ولم تكن أقل بلاغة من كلماته تلك النظرة التي رآها العالم على وجهه وهو ينظر إلى ذلك الجدار العازل، وأيضا وهو يستقبل اللاجئين في المخيمات. كان ذلك يتطلّب قدرا من الشجاعة من بابا الفاتيكان.

والنقطة الثالثة الهامّة في زيارته كانت توجهه إلى المسلمين والعالم الإسلامي وكأنه كان يريد بوضوح وضع حد نهائي للزوبعة التي أثارتها تصريحاته البائسة والتي لم تكن في مكانها في راتيسبون عام 2006.

لقد حرص على استقبال العديد من رجال الدين المسلمين في منظور البحث، كما قال هو نفسه، عن «تشجيع قيام تحالف للحضارات بين الغرب والعالم الإسلامي يحبط مقولات أولئك الذين قالوا إنه لا مفرّ من العنف والنزاعات». مثل هذه الأطروحة للبابا حول التآلف الحضاري ترددت بأشكال مختلفة من قبل العديد من المفكرين وأصحاب القرار في العالم العربي والإسلامي أنفسهم.

وكان البابا واضحا في قوله إنه ينبغي على مختلف الأديان أن «تتحمّل مسؤوليتها في إحلال السلام» في العالم.

في المحصلة قد يمكن القول إن البابا كان متوافقا مع الرسالة التي يتطلّبها منه موقعه. لقد عبّر عن تعاطفه مع ضحايا كل أشكال العنف مهما كان مصدرها؛ السابقة منها والراهنة. ووقف إلى جانب دعاة السلام وليس دعاة الموت. وحمل رسالة دعوة للسلام في منطقة هي بأشد الحاجة إليه. وهذه كلّها «موضوعيا» نقاط إيجابية. مع ذلك، في محصّلة هذا كلّه «خيّب آمال الإسرائيليين». ومن يتمعّن بالأمر يفهم أسباب ذلك.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr