انتخابات السبت الفائت التي جرت في الكويت تعتبر بحق نصراً للمرأة الكويتية، إذ فازت أربع نساء بمقاعد مجلس الأمة، وهو سبق تاريخي لم يحصل من قبل. فأكثر المراقبين تفاؤلاً لم يكن يمني النفس إلا بنجاح مرشحة واحدة وهي الوزيرة السابقة الدكتورة معصومة المبارك، وإن زاد في تفاؤله فكان يضيف إليها الدكتورة أسيل العوضي!!

أما أن تفوز أربع نساء فذاك كان ضرباً من الأحلام، وأن تكن كلهن حاصلات على أعلى الدرجات العلمية وهي الدكتوراه ويعملن في أرفع صرح تعليمي في دولة الكويت وهي جامعتها التي أنشئت في العام 1966، فهذا أيضاً كان يقع في دائرة الخيال وأحلام اليقظة!!

ونساء الكويت فزن بجدارة واستحقاق واقتدار، إذ من المعروف أن نظام الحصة (الكوتا) غير معمول به في النظام الانتخابي الكويتي، وهو النظام الذي يسمح بفوز عدد معين من النساء بغض النظر عن الأصوات التي حصلن عليها، فضلاً عن أن الانتخابات في الكويت لا تجري ضمن القوائم (التصويت لكل مرشحي القائمة) والذي قد يكون فيه نجاح المرشحات بفعل نشاط القائمة التي عادة ما يكون المرشحون الرجال هم غالبيتها وسبب نجاحها.

إن الانتخابات في الكويت تجرى على أساس فردي، وتصويت الناخبين فيها يكون تصويتاً لأفراد (توضع أسماء المرشحين بالترتيب الأبجدي) وليس لقوائم. وعلى ذلك، فإن نجاح الكويتيات الأربع جاء بفعل نشاطهن وحسن إدارة حملاتهن وشعبيتهن التي جذبت الناخب الكويتي سواء كان رجلاً أم امرأة لمنحهن صوته.

وشتان ما بين ظروف المرشحات بأقرانهن من المرشحين الرجال، فالمرشحات النساء يواجهن إلى جانب متطلبات الدعاية والخطابة واستقبال وفنون التعامل مع الناخبين وكسبهم إلى صفوفهن، يواجهن ظروفاً اجتماعية قاهرة في مجتمع ما زالت تقاليده قوية ومحافظة.

فما أشق على نفس امرأة مرشحة حينما تدخل ديوانية كلها من الرجال من مختلف المستويات الثقافية، وما أصعب عليها التحرك هنا وهناك بحثاً عن الناخبين. وهي معوقات لا يشعر بها زميلهن المرشح الرجل.

ثم إن النظرة في كثيرة من الأوساط مازالت لا تحبذ خوض المرأة لغمار العملية الانتخابية، ففي الانتخابات الأخيرة صدرت فتاوى من هذا القبيل من الجماعة السلفية تحرم التصويت للنساء المرشحات، وتؤثم من يقوم بذلك!!

وفوز النساء الكويتيات عن جدارة واقتدار جاء بحصولهن على مراكز متقدمة، لعل أبرزهن الدكتورة معصومة المبارك التي دخلت تاريخ الكويت كأول وزيرة، ثم لتبرز تسعة رجال في دائرتها الأولى ولتتصدر قائمة الناجحين العشرة!!

أما الدكتورة أسيل العوضي فقد جاءت في المركز الثاني في الدائرة الثالثة لتتفوق بعدد أصواتها على النائب المخضرم ورئيس مجلس الأمة السابق أحمد السعدون، حيث جاء في المركز الثالث!! وفي نفس الدائرة فازت الدكتورة رولا دشتي بالمركز السابع متخطية ثلاثة نواب في المجلس السابق.

أما الدكتورة سلوى الجسار، الفائزة في الثانية والتي جاءت في ذيل القائمة، فإنها كانت في المراحل الأولى من التصويت في الصفوف المتقدمة، ولم يكن بينها وبين النائب خلف دميثير العنزي، الذي مافتئ يفوز منذ السبعينات، والذي حقق المركز السابع، سوى 150 صوتاً فقط!!

وقد حققت المحامية ذكرى الرشيدي رقماً طيباً بغض النظر عن أن النجاح لم يكن من نصيبها، رغم أنها رشحت نفسها في دائرة مغلقة قبلياً وجرت فيها انتخابات فرعية ومن فازوا فيها إنما فازوا نتيجة لتلك التصفيات فيما عدا النائب مسلم البراك، الذي لم يدخل تلك الانتخابات وحصل على أعلى الأصوات في كل دوائر الكويت بعدد 18779 صوتاً. ولم تكن المحامية ذكرى الرشيدي ضمن تلك الانتخابات الفرعية، ولو دخلتها لضمنت النجاح!!

وقد حملت الانتخابات الأخيرة كثيراً من المفاجآت، إذ قل فيها نسبة المشاركين حيث وصلوا إلى 58% فقط، وهي نسبة قليلة في تاريخ الانتخابات الكويتية، في حين كانت نسبة التغيير عالية وصلت إلى 42% حيث وصلت في المنطقة الخامسة إلى 80% مقارنة بباقي الدوائر التي تراوحت النسبة الثلاثين بالمئة، وبذلك فقد دخل 21 نائباً جديداً إلى مجلس الأمة.

وكانت المفاجأة الثانية فوز تسعة نواب شيعة معظمهم من المستقلين وبينهم مرشحتان هما معصومة المبارك ورولا دشتي. وقد تقلص نفوذ الجماعات الدينية، فالسلفيون خسروا مقعدين بعد أن كانوا يحتلون أربعة، وكذا الإخوان المسلمون الذين خسروا مقعداً ليبقى لهم مقعدان، في حين ظل تمثيل القبائل كما كان تقريباً مع تغيرات طفيفة هنا وهناك.

أما تأثير اعتقال المرشحين نايف بورمية وخالد الطاحوس أثناء الحملة الانتخابية فكان ايجابياً بالنسبة لهما، إذ تم إعادة انتخاب الأول، في حين أن الطاحوس يدخل المجلس لأول مرة، علماً بأن أبورمية (المنتمي إلى قبيلة مطير) والطاحوس (قبيلة العجمان) قد دخل كلاهما الانتخابات الفرعية التي أجرتها قبيلتاهما وفازا بها!!

وإذا كانت الفرحة قد غمرت قطاعاً واسعاً من الشعب الكويتي لفوز النساء ودخولهن إلى المجلس النيابي، فإن ذلك الفوز يضع على كواهلن أحمالاً ثقيلة في الوقت الذي يتوسم فيهن ناخبوهن الخير.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com