غدا الصومال مسرحاً لكافة التناقضات العالمية تقريباً على المستوى السياسي والاقتصادي معاً وكأنما أراد العالم ان يحول هذا البلد الفقير الذي يجلس شعبه بانتظار انتهاء النزاعات، ان يحوله إلى بوتقة اختبار لكل السجالات السياسية التي لا تفضي في معظمها إلى شيء للصومال او تضع علاجاً للمشكلات التي نجمت عن تفككه المأساوي وبخاصة مشكلة القرصنة البحرية. ومن الملاحظ أن الأزمات في الصومال وحوله تدور في محورين:

الأول: ما يتعلق بالصراع المسلح على السلطة وكثرة التدخلات خاصة من جانب اثيوبيا واريتريا مع هزال واضح في الموقف العربي بشأن ما يدور في دولة عضو بجامعة الدول العربية، وذلك على الرغم مما يتناهى إلى مسامعنا عن مؤتمرات انعقدت وأخرى في طريقها للانعقاد في القاهرة وأديس أبابا وسرت الليبية وحتى كوالالمبور في ماليزيا مروراً ببروكسل وعواصم أوروبية أخرى وهو ما ينطبق عليه المثل العربي القديم:

(أسمع ضجيجاً ولا أرى طحناً) فحين جاءت حكومة المحاكم الاسلامية الى السلطة في مقديشو برئاسة شيخ شريف شيخ أحمد ظن الناس أن المسألة في طريقها للحسم باعتبار ان قوة المحاكم ستعيد الاستقرار إلى الصومال كما فعلت من قبل واذا بنا نفاجأ بجماعات اسلامية أخرى تحمل السلاح وتتقدم عسكرياً باتجاه العاصمة محققة انتصارات تدور حولها علامات استفهام كبيرة حول مصادر تمويل تلك الجماعات وأهدافها من الأعمال العسكرية التي تشنها، ثم فوجئ العالم مرة أخرى بأنباء عودة القوات الاثيوبية الى الارض الصومالية رغم نفي أديس أبابا وكان العالم فوجئ قبل ايام باستياء الأمم المتحدة التي اكدت ان المتمردين يتلقون دعماً من اريتريا، الامر الذي نفته ايضا السلطات الاريترية بشدة لتسهم في اضفاء الضبابية على الاوضاع ككل في الأراضي الصومالية.

الثاني: ما يتعلق بقضية القرصنة وما يحيطها من التباس يزداد مع الأيام، فرغم ان الامم المتحدة سبق وان فوضت حلف الاطلنطي بمكافحة القرصنة قرب سواحل الصومال، ووجود سفن تنفذ عمليات بحرية ضد القراصنة فيما يعرف بعملية (اتلانتا) الا ان هناك تردداً واضحاً من جانب الدول المشاركة في العملية في حسم المأساة التي تضرر بسببها العديد من شركات السفن والطواقم.

الا أن هناك دعوات (في مؤتمر كوالالمبور الذي اختتم أعماله أمس) تطالب بتشكيل قوة بحرية دولية مدعومة من الأمم المتحدة لمكافحة القرصنة عند سواحل الصومال، ورغم ان ممثل الصومال طلب في المؤتمر المساعدة في تشكيل اسطول حرس سواحل صومالي لتنفيذ المهمة الا ان احداً لم يتحمس للطلب رغم وجاهته.

وإلى أن تتفكك (ألغاز) القرصنة التي ينتصر فيها أفراد مسلحون بقوارب بسيطة التجهيز على سفن اوروبية واميركية وروسية وغيرها من البحريات الدولية، سنظل نندهش لهذا التراخي الذي يبدو متعمداً بل وثمة رضا عما يحدث ففي معظم الاحيان يتم اطلاق سراح القراصنة بعد القبض عليهم ليعودوا إلى سيرتهم الأولى في الهجوم على السفن التجارية.

وهذا الشك هو مقدمة لشعور مشروع بأن هناك (قوى خفية) تدير قضية القرصنة البحرية لمصالحها الذاتية والتي تقتضي أن تستمر هذه المسرحية ما دامت تحت سيطرة تلك القوى الخفية.